إحياء الجيش الروسي .. كيف أعادت روسيا بناء قوتها العسكرية؟

ديميتري تيرنين*

في أعقاب انهيار الإتّحاد السوفييتي، تعرّض الجيش الروسي للتفكّك. وفي واحدة من أكثر حملات نزع السلاح دراماتيكيّة في تاريخ العالم، انخفض عديد القوّات الروسيّة بين العامين 1988 و1994 من خمسة ملايين فرد إلى مليون فرد فقط. وبينما انخفضت ميزانيّة الكرملين للدفاع من 246 مليار دولار إلى 14 مليار دولار في نفس الفترة، قامت الحكومة الروسيّة أيضا بسحب قرابة 700 ألف جندي عامل في الخدمة من أفغانستان، ألمانيا، منغوليا، وشرق أوروبا. وقد تبخّرت خلال التسعينات الهيبة التي كانت مُقترنة تقليديّا بالوظيفة العسكريّة في روسيا لدرجة أن كابتن الغواصة النوويّة “كورسك” التي غرقت في القطب الشمالي عام 2000 كان يتقاضى 200 دولار شهريّا.ه

من العام 1991 وحتّى العام 2008، خلال الفترة الرئاسيّة لبوريس يلتسين والفترة الرئاسيّة الأولى من حكم فلاديمير بوتين، استخدمت روسيا جيشها المُقلّص ضمن حدود الإتّحاد السوفييتي السابق، وذلك بشكلٍ أساسيّ لاحتواء وإنهاء وتجميد النزاعات التي اندلعت هناك. وخلال التسعينات، قامت الوحدات الروسيّة بالتدخّل في النزاعات العرقيّة في جورجيا ومولدوفا وفي الحرب الأهليّة في طاجاكستان، وكانت كلّ هذه التدخلات محدودة. وحتّى بالنسبة للعمليّة العسكريّة في الشيشان عام 1994، حين قام الرئيس الروسي بوريس يلتسين بإرسال الجيش لإنهاء التمرّد الانفصاليّ هنا: فإنّ هيئة الأركان العامّة الروسيّة استطاعت بالكاد تجميع 65 ألف جنديّ من بين مليون جندي كان يعمل تحت إمرتها نظريّا.ه

خارج حدود الإتّحاد السوفييتي السابق، تصرّفت روسيا بنوعٍ من الخنوع. فقد سعت للشراكة مع الولايات المُتحدة الأمريكيّة وفي بعض الأوقت للتعاون مع حلف “الناتو”، وذلك من خلال الاشتراك في عمليّة إحلال السلام التي قادها الحلف الغربي في البوسنة والهرسك عام 1996. وبعد أن أدركت روسيا في أواسط التسعينات أنّ عضويتها في “الناتو” لم تعد مطروحة على الطاولة، فقد عارضت بشدّة توسّع الحلف في شرق أوروبا وحملة القصف على يوغوسلافيا في العام 1999 والاجتياح الأمريكيّ للعراق في العام 2003، لكنّها كانت أضعف من أن تمنع هذه التحرّكات. وقد ظلّ الردع النووي على رأس أولويات الكرملين الذي اعتبر أنّه الضامنُ الأخير لأمن روسيا وسيادتها.ه

لكن تلك الأيّام من التفكّك والانصياع أصبحت من الماضي الآن. بدءا من العام 2008، أطلق الرئيس فلاديمير بوتين برنامجا واسعا لإصلاح الجيش وزيادة الإنفاق العسكريّ لتحديث القدرات العسكريّة الروسيّة المتآكلة. وبفضل هذه الخطوة، أظهرت روسيا مُؤخّرا رغبة مستجدة لاستخدام القوّة لتحقيق ما تريد. ففي شباط 2014، أرسلت موسكو بقواتٍ لا تلبس الزيّ الرسميّ لانتزاع السيطرة على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، مُهدّدة كييف ضمنيّا باجتياح واسعٍ لأراضيها. ثم قامت لاحقا بتزويد الانفصاليّين المُؤيدين لها في منطقة “دوبناس” بالمعدّات العسكريّة والمعلومات الاستخباريّة مانعة كييف من هزيمتهم. وبعد ذلك، في خريف العام 2015، أمرت روسيا قوّاتها البحريّة والجويّة باستهداف المُسلّحين الذين يُقاتلون نظام بشار الأسد، لتُدشّن تدخلها العسكريّ المباشر في الشرق الأوسط لأوّل مرّة في تاريخها.ه

هذه التدخلات الروسيّة الأخيرة بعيدة كلّ البعد عن الحملات الضخمة التي اعتاد الإتّحاد السوفييتي على إطلاقها. لكنّ الحقيقة الماثلة أمامنا اليوم هي أن روسيا عادت مُجددا لردع أيّ قوّة عظمى وحماية نفسها عند الضرورة وإرسال قوّاتها بفاعليّة في مهمّات عسكريّة في مُحيطها الاستراتيجيّ وما بعده. وهكذا، بعد ربع قرنٍ من الضعف العسكريّ، تعود روسيا كقوّة عسكريّة مُهمّة في أوراسيا.ه

جورجيا في عقل روسيا

بدأت قصّة تحديث الجيش الروسي مع الحرب في جورجيا عام 2008. في آب/أغسطس من ذلك العام، أطاحت القوّات الروسيّة بالقوات الموالية للرئيس المدعوم غربيّا ميخائيل ساكاشفيلي، وضمنت السيطرة على مقاطعتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة كمحميّات روسيّة. مثّلت الحملة التي استمرت خمسة أيّام نجاحا واضحا: فقد منعت روسيا تمدّد حلف “الناتو” في بلدٍ سوفييتي سابق كان يسعى للحصول على عضويّة الحلف، وأكّدت سيادتها الاستراتيجيّة المباشرة على مُحيطها الغربي والجنوبيّ، وأظهرت، علاوة على ذلك، حدود القوّة الغربيّة في المنطقة. ومن خلال زيادة الحضور العسكريّ في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة، عزّزت روسيا سيطرتها على منطقتين مهمتين استراتيجيّا في الحزام القوقازي من خلال تأمين الطريق إلى “سوتشي” مقرّ إقامة الرئيس الروسيّ في جنوبي البلاد، وأصبحت على مرمى حجر من العاصمة الجورجيّة تبليسي.ه

لكن، رغم كلّ هذه المكاسب، فقد خاضت روسيا حربها في جورجيا بجيشٍ مُهلهل من بقايا الجيش الضخم للإتّحاد السوفييتي. فقد أُجبر الجنود على استخدام أسلحة قديمة، واُضطر الضبّاط المُكلّفين بالإشراف على القوّات لاستخدام الهواتف الخليويّة لإعطاء الأوامر بعد أن تعطّلت أجهزة الإرسال العسكريّة. وفي نهاية النزاع، خسرت روسيا خمس طائرات عسكريّة من بينها قاذفة استراتيجيّة. لقد كسبت روسيا الحرب ضدّ عدو أضعف منها بكثير، لكنّ العيوب التي أظهرتها هذه الحرب في الجيش الروسي كانت أكثر سطوعا من أن يتم تجاهلها.ه

لذلك، وبعد شهرين فقط من الحرب، شرع الكرملين في برنامجٍ طموح لإصلاح منظومة الدفاع وإعادة هيكلة الجيش. هذه الجهود، والتي يُقدّر المسئولون العسكريون الروس أنّها ستُكلّف 700 مليار دولار بحلول العام 2020، اُعدّت لتحويل الجيش الروسي من قوّة عسكريّة مُصمّمة لخوض حروب عالميّة بين قوى عظمى إلى قوّة خفيفة لديها قابليّة أعلى للحركة وأكثر ملائمة للصراعات المحليّة والإقليميّة.ه

لقد تعهّدت موسكو بإعادة تنظيم نظام التحكّم والسيطرة التقليديّ خاصتها وتحسين الاستعداد العسكريّ لقواتها وإصلاح الأجهزة المسئولة عن تزويد الجيش بالمُعدّات العسكريّة. وفي كسرٍ جذري للنموذج الذي ظلّ قائما منذ العام 1870، تبنّت روسيا بنية عسكريّة أكثر مرونة تسمح لها بنشر قوّاتها في المُحيط الاستراتيجيّ للبلاد دون الحاجة لإعلان التعبئة العامّة.ه

وقد بدأت الصناعات العسكريّة الروسيّة في نفس الوقت بتزويد هذه القوّة الجديدة بأنظمة تسليح ومُعدّات جديدة. وفيالعام 2009، بعد عقدين من تقليص الكرملين للموارد الماليّة المُخصّصة للتدريبات العسكريّة (عدا تلك التدريبات المشتركة والتدريبات على مستوى الكتائب)، بدأت القوّات الروسية بتنفيذ تدريبات واسعة النطاق، وغالبا بدون إنذار مُسبق، بهدف تعزيز الجاهزيّة القتاليّة. وربما أكثر أهميّة من كلّ ذلك هو أنّ الجنود والبحارة والطيارين الروس أصبحوا يتقاضون رواتب أفضل. وهكذا، ففي الوقت الذي اندلعت فيه الأزمة مع أوكرانيا، كان الجيش الروسي أقوى بكثير من الجسم غير المنظم والفقير بالمُعدّات العسكريّة الذي اندفع نحو جورجيا قبل خمسة أعوام ونصف فقط.ه

أوروبا ثنائيّة القطب مُجدّدا

نفّذت القوّات الروسيّة عمليّة شبه جزيرة القرم ببراعة فائقة، واستولت على المقاطعة بسرعة وبعدد محدود من الخسائر. ولا شك أن خطط الاجتياج كانت موجودة قبل الهجوم بأعوام، على الأقل منذ أن أعلنت أوكرانيا اهتمامها بالانضمام لحلف “الناتو” في العام 2008، لكنّ الأمر تطلّب جيشا جديدا ومستوى استثنائيّا من التنسيق بين الأجهزة الروسيّة المُختلفة حتى يُصبح الاجتياح أمرا واقعا.ه

لم تكن العمليّة العسكريّة في شبه جزيرة القرم حربا من النوع المألوف بين قوّتين عسكريّتين، وقد وقع القتال الفعلي في إقليم “دونباس” بعد أسابيع من بدايتها. فبدلا من إعطاء الأوامر لتنفيذ اجتياجٍ عسكريّ كبير للحدود، وهو الأمر الذي كانت روسيا تُهدد به ضمنيّا وتخشى منه كييف، لجأت حكومة الرئيس بوتين إلى تكتيك معروف في الغرب باسم “الحرب الهجينة” ويعني تزويد العناصر الانفصالية المؤيدة لروسيا بالدعم اللوجستي والاستخباراتي في “دونباس”، وتنفيذ تدريبات عسكريّة بالقرب من الحدود الأوكرانيّة في نفس الوقت لإفقاد كييف التوازن. أرسلت روسيا بعض ضباطها في مهمات خاصّة داخل الحدود، لكن القوّة الرئيسيّة التي اعتمد عليها الروس تمثّلت في المتطوّعين من سكّان المنطقة وبعض الوحدات الروسيّة التي كانت تخدم هناك بشكلٍ متقطع.ه

وفي نفس الوقت وضعت روسيا بلدان حلف “الناتو” تحت الإنذار: إبقوا بعيدين عن النزاع وإلا فإنه سيطالكم أيضا. ولأجل هذا الغرض، قامت الطائرات الروسية، والتي استعادت في العام 2007 تقاليد الحرب الباردة من خلال استئناف دوريّاتها الجويّة في كلّ العالم، بالتحليق حول الحدود الأمريكيّة والبريطانيّة والإسكندنافيّة واقتربت من الطائرات الغربيّة التي كانت تحلّق فوق البحر الأسود وبحر البلطيق. وقد اعترف بوتين لاحقا في خطاب على التلفزيون الروسي بأنّه أعطى الأوامر لوضع القوّات النووية الروسيّة على أهبة الاستعداد لحماية مصالح روسيا في أوكرانيا.ه

استفادت روسيا من حملتها على أوكرانيا بطرق عدّة. فقد سمحت هذه المناورة لروسيا بضمّ شبه جزيرة القرم وأبقت كييف تحت الخوف من اجتياح شامل وهو ما جعل القيادة الأوكرانية الجديدة تتراجع عن فكرة استخدام كلّ القوات العاملة لديها لقمع تمرّد الانفصاليّين في إقليم “دونباس”. واستطاعت روسيا أيضا تحدّي الهيمنة الأمريكيّة في المنطقة وذلك من خلال إخافة بعض جيرانها، وتحديدا على بحر البلطيق، والتي أصبحت تخشى من قيام روسيا بعمليات مشابهة لدعم الأقليّات الروسية الموجودة فيها. بإثارتها للعداء تجاه روسيا أكان في أوساط النخبة الأوكرانية والشعب الأوكراني، فقد كان لعملية شبه جزيرة القرم جانب سلبي أيضا.ه

فاستخدام روسيا القوّة لتغيير الحدود والسيطرة على مناطق جديدة لم عودة ظهور الواقعية السياسية في أوروبا (شهدت البلقان والقوقاز هذا المنطق الاستراتيجي في تسعينيات القرن العشرين وبدايات هذا القرن)، بقدر ما بيّن استعداد وقدرة روسيا على التنافس عسكريّا مع حلف “الناتو”. وهكذا، أصبح العام 2014 بداية لتحوّل الأمن الأوروبي مُجدّدا إلى حالة الثنائية القطبيّة.ه

بوتين يكسر القوالب

مع كلّ المستجدات التي انطوى عليها الهجوم الروسي في أوكرانيا، إلا أنّه لم يُنهِ النزعة الروسيّة  لنشر قوات عسكريّة في الحدود السابقة للاتّحاد السوفييتي فقط. فقد كسرت روسيا هذه القاعدة في العام الماضي عندما انخرطت في الحرب الأهلية السورية. أرسلت روسيا عدّة دزينات من الطائرات الحربية لمهاجمة المناطق التي يستولي عليها تنظيم “داعش” وبقية المسلحين المعارضين لنظام بشار الأسد، وأسست نظام دفاعٍ جويّ داخل الأراضي السورية، وأطلقت قاذفاتها الاستراتيجيّة من قواعدها في وسط روسيا للتحليق في سماء سوريا، وأصدرت أوامرها للبحريّة الروسية لإطلاق صواريخها على الأهداف المطلوبة من مواقعها في البحر المتوسط وبحر قزوين. من خلال هذه الخطوات، قوّضت روسيا الاحتكار الأمريكيّ لاستخدام القوّة على المستوى العالمي بدون منازع والذي حازت عليه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.ه

الهدف العسكريّ المباشر لروسيا في سوريا كان يتمثّل في منع هزيمة الجيش السوري واستيلاء تنظيم “داعش” على العاصمة دمشق، وهو الهدف الذي سعت لتحقيقه بالدرجة الأولى من خلال تقوية القوات التابعة للحكومة السوريّة وحلفائها من مقاتلي حزب الله والإيرانيّين. أما هدفها السياسي فكان يتمثّل في هندسة تسوية سلمية تحمي مصالحها في سوريا وفي المنطقة، وذلك من خلال ضمان أن يظلّ نظام ما بعد الأسد صديقا لروسيا بشكل يسمح لها الحفاظ على حضورها العسكريّ هناك، وبحيث تكون الشراكة العسكريّة مع إيران والعراق والقوات الكردية القاعدة لإنتاج علاقات سياسية واقتصاديّة وثيقة مع هذه البلدان في المدى الطويل.ه

وأهمّ من ذلك، فقد سعى بوتين من خلال التدخل في سوريا لتأكيد موقع روسيا كقوّة عظمى وذلك من خلال العمل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة كراعٍ دبلوماسي لإنهاء الحرب وضامن للتسوية السياسية. تتجلّى مهمة بوتين التاريخية كما يراها في الإبقاء على روسيا موحّدة وإعادتها إلى المكان الصحيح بين قوى العالم، وقد أظهر التدخّل في سوريا أهميّة القوة العسكريّة في تحقيق هذا الهدف. من خلال التصرّف بجرأة رغم محدوديّة الموارد، استطاعت روسيا من تغيير التوازن الاستراتيجي في سوريا والعودة بشكلٍ مذهل إلى مسرح الأحداث في منطقة كانت يعتقد أن نفوذها فيها قد شُطب تماما قبل 25 سنة.ه

العمليّة العسكريّة في سوريا لها بالرغم من ذلك بعض المساويء بالنسبة لموسكو. في تشرين ثاني/نوفمبر 2015، أسقطت مُقاتلة تركيّة قاذفة روسيّة بالقرب من الحدود السورية التركيّة، وكان الحادث الأوّل من نوعه بين روسيا وأحد بلدان حلف “الناتو” في أكثر من نصف قرن. امتنعت روسيا عن الرد عسكريّا، لكنّ علاقتها مع تركيّا، أحد شركائها التجاريّين الرئيسيّين، تعرّضت لهزّة قوية مع فرضها لمجموعة من العقوبات التي قد تكلّف الاقتصاد التركيّ الميارات من الدولارات. من خلال الاصطفاف مع الأنظمة الشيعية في إيران والعراق وسوريا، فإن روسيا قد تنفّر سكانها المُسلمين البالغ عددهم 16 مليونا والذين ينتمون بغالبيتهم للطائفة السنية. وإدراكا لهذا الخطر، حاولت روسيا تعزيز علاقاتها مع بعض القوى السنية في الشرق الأوسط مثل مصر. كما أنّها تراهن على أنّ إبقاء نظام الأسد مستقرّا سوف يضمن أنّ الآلاف من المجاهدين الروس ومجاهدي وسط آسيا الذي يقاتلون مع تنظيم “داعش” في سوريا والعراق لن يعودوا لإحداث القلاقل في بلدانهم الأصلية. لذلك، فإنّ الوقوف مع نظام الأسد ضدّ تنظيم “داعش” هو بمثابة جهد للتخلّص من الأشخاص الذين يهددون استقرار روسيا نفسها.ه

ليس في حديقتي الخلفيّة

أين سيذهب الجيش الروسي بعد ذلك؟ تتطلّع موسكو الآن إلى البحر المتجمّد الشمالي حيث يكشف التراجع المتسارع للبحر المُتجمّد عن احتياطات غنيّة من الطاقة ويجعل من الملاحة التجاريّة أمرا قابلا للحياة وأكثر جاذبيّة. وتتنافس البلدان المُطلّة على البحر المتجمّد الشمالي، وهي جميعها منضوية في حلف “الناتو” للاستفادة من هذه الموارد الغنيّة، بينما تسعى روسيا لتوسيع منطقتها الاقتصاديّة الحصريّة هناك للمطالبة بحقوقها في الموارد الطبيعية وحماية طريق بحر الشمال كممر تجارة بحري بين أوروبا وآسيا يتلفُ حول ساحل سيبيريا. لتعزيز موقعها في أعالي الشمال، تقوم روسيا بإعادة تنشيط قواعدها العسكريّة هناك وهي القواعد التي قامت بإغلاقها بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي. لا زالت التوتّرات في البحر المتجمّد الشمالي متواضعة، لكنّ هذا قد يتغيّر إذا جرت مواجهة رئيسيّة بين روسيا و”الناتو” في أيّ مكان أو إذا قامت السويد وفنلندا، وهما البلدان الإسكندافيان المعروفان تاريخيّا بالحياد بالتقدم لطلب عضوية حلف “الناتو”.ه

لكن ما يبقى أكثر احتمالا هو أن تأخذ روسيا خطوة عسكريّة بالقرب من حدودها الجنوبيّة، وتحديدا إذا تمكّن تنظيم “داعش” الذي أصبح له موطيء قدم في أفغانستان من التوسّع في بلدان آسيا الوسطى وهي بلدان هشّة نسبيا. البلدان صاحبة أكبر اقتصاديّات في المنطقة وهي كازاخستان وأوزبكستان سوف تواجه قريبا تحوّلا في السلطة مع تنحّي قادتها الكهول أو وفاتهم. أما قيرغزستان وطاجكستان، حيث تحافظ روسيا على وحدات عسكريّة وجويّة صغيرة، فإنّهما لن تكونان مستقرتين في المدى الطويل، فهما مثل تركمانستان، يعانيان من مستويات مرتفعة من البطالة والفساد الحكومي والتوتّرات العرقيّة والراديكالية الدينيّة، وهي نفس المشاكل التي أطلقت “الربيع العربي”.ه

إن ذاكرة المستنقع الأفغاني السوفييتية ستبقى حاضرة بشكل قوي في الكرملين عند التفكير في اجتياح البلد لإسقاط تنظيم “داعش” هناك. وبدلا من ذلك، ستستمر موسكو في دعم جهود الحكومة الأفغانية وحركة طالبان لهزيمة التنظيم. لكن هذا لن يكون نفس السيناريو عندما يتعلّق الأمر بدول آسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا منطقة عازلة حيويّة لأمنها. إذا واجهت حكومة قيرغزستان أو كازاخستان أو طاجكستان تحديا رئيسيّا من الإسلاميّين المتشدّدين، فإنّ روسيا ستتدخل على الأرجح سياسيّا وعسكريّا، ربما تحت تفويض منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي المنظمة التي تضمّ الدول الأربعة.ه

لذلك، سيُركّز الجيش الروسي في السنوات القادمة على جوار روسيا الشاسع في أوراسيا الكبيرة حيث تعتقد روسيا أن استخدام القوّة هناك يمثّل خيار دفاع استراتيجي. إذا فشلت مغامرة روسيا في سوريا في تحقيق أهدافها السياسيّة، أو إذا تضرّر الاقتصاد الروسي بشكلٍ كبير، فإنّ التدخل العسكريّ خارج الحدود القريبة قد يبدو حالة استثنائيّة. وإذا لم يحدث أيٌ من الأمرين، فإن روسيا ربما تتعلّم كيف تستخدم قوّتها العسكريّة بكفاءة حول العالم لتدعيم موقفها لتكون واحدة من القوى العظمى جنبا إلى جنب مع الصين والولايات المتحدة.ه

مواجهة جديدة؟

حتى وإن كانت روسيا قد أصلحت جيشها للتعامل مع المخاطر الجديدة، فإنّ التخطيط الدفاعي الروسي ما زال يُشدّد بشكلٍ ثابت على الولايات المتحدة وحلف “الناتو”، اللذان يعتبرهما الكرملين التحدي الرئيسي. لقد وصفت استراتيجيّة الأمن القومي الروسيّة للعام 2016 السياسة الأمريكيّة تجاه روسيا بـ “الاحتواء”، واعتبرت مواصلة حلف “الناتو” تعزيز قدراته العسكريّة خطرا على روسيا، وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على جهود الولايات المتحدة لتطوير الصواريخ البالستية وتعزيز قدرتها على الهجوم في أي مكان في العالم في غضون ساعة واحدة. لمواجهة هذه الخطوات، تقوم روسيا بتحديث ترسانتها النووية والجويّة وأنظمة الدفاع الصاروخي. وتقوم أيضا بمراجعة نمط انتشار قوّاتها العسكريّة وتحديدا على طول حدودها الغربيّة ومن المحتمل أنّها ستُعمّق من حضورها العسكري في جيب “كالينينغراد” المُطلّ على بحر البلطيق.ه

في نفس الوقت الذي تعيد فيه روسيا بناء جيشها، يُكثّف حلف “الناتو” حضوره العسكري في شرق أوروبا. والنتيجة قد تكون مواجهة عسكريّة جديدة مفتوحة النهايات. وعلى عكس ما جرى أثناء حقبة الحرب الباردة، فإنّ هناك احتمالا ضئيلا لتوقيع اتفاقيات للحد من التسلّح بين الولايات المتحدة وروسيا في أي وقت قريب بسبب الفوارق في القدرات العسكريّة التقليدية لكلا البلدين. وفي الحقيقة، من غير المحتمل أن تصبح القوات المسلحة الروسية بقوة الجيش الأمريكي أو أن تُهدّد أحد أعضاء حلف “الناتو” باجتياحٍ واسع حتى في المدى الطويل. ورغم أن روسيا تسعى للبقاء قوّة رئيسيّة على الحلبة الدولية، فقد تخلّى القادة الروس عن الطموحات السوفييتية للهيمنة العالمية وهم يحتفظون بذكريات مريرة عن سباق التسلّح في الحرب الباردة والذي أضعف الاتحاد السوفييتي على نحو مُهلك.ه

بالإضافة لذلك، فإن موارد روسيا أقل بكثير من تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة. فاقتصادها الذي يصارع الظروف الصعبة لا يقترب بحجمه بأي حالٍ من الأحوال من حجم الاقتصاد الأمريكي. وتواجه الصناعات العسكريّة الروسيّة، التي استطاعت البقاء على قيد الحياة في مواجهة عقدين من التحلّل والتجاهل، تناقصا في قوّة العمل التي تعتمدُ عليها، وتعاني الضعف في بعض القطاعات الحيويّة مثل الإلكترونيّات وخسارة بعض الموردين التقليديين مثل أوكرانيا. ورغم أنّ الإنفاق العسكري الروسي بلغ  4.2% من الناتج المحلّي الإجمالي في العام 2015، فإنّ البلاد لا تستطيع تحمّل هذه الكلفة العالية لفترة أطول بدون تقليص الإنفاق على الاحتياجات المحليّة الأساسيّة وتحديدا في ظلّ غياب نموّ اقتصاديّ متين. في هذه اللحظة، وحتى في ظلّ القيود التي فرضتها أسعار النفط المنخفضة والعقوبات الغربيّة، يتعهد القادة الروس باستمرار تحديث الجيش وإن كان بوتيرة أبطأ مما تمّ التخطيط له مسبقا.ه

يدرك فلاديمير بوتين والمسئولون الروس أن مستقبل روسيا ومستقبلهم يعتمدُ غالبا على شعور المواطنين العاديين. وهكذا، فكما كان ضمّ شبه جزيرة القرم تمرينا في تحقيق العدالة التاريخيّة بالنسبة لعموم الروس، فإنّ النفقات الدفاعيّة المرتفعة ستكون مقبولة شعبيّا فقط طالما اقتنع المواطنون الروس أنّها ستضمن موقع بلدهم على المستوى الدولي، وهو الحالة القائمة الآن بنظرهم. يُمكن لبرنامج تحديث الجيش، بالرغم من ذلك، أن يتحوّل إلى مشكلة إذا تطلّب تخفيضا في النفقات الحكوميّة على برامج الإنفاق الاجتماعي وإذا أدى إلى انخفاض مستويات المعيشة. الروس مشهورون بقدرتهم على التكيّف مع الظروف الصعبة، ولكن بدون أن يجد القادة الروس الطريق لإعادة بناء الاقتصاد وتقديم حوكمة أفضل خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة، فإنّ العقد الاجتماعي الذي يمثّل قاعدة النظام السياسي الحالي قد يتحلّل. إن مشاعر العامة الروس ليست أمرا عديم الأهميّة في هذا الصدد: فروسيا بلدٌ أوتوقراطي لكنّها أوتوقراطيّة قائمة على قبول المحكومين.ه

___________________________

ه*ديميتري ترنين مدير معهد “كارنيغي” في موسكو وكولونيل متقاعد في الجيش الروسي. حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من الأكاديميّة الروسيّة للعلوم.ه

نُشر هذا المقال في مجلّة “الشئون الخارجيّة” الأمريكية عدد أيّار/حزيران

المصدر: اقتصاد وسياسة 27 آيار 2016

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: