لو أتيح لك أن تعود، هل تضحي لدرء مجزرة 63 عن العراق؟

صائب خليل 

يستذكر العراقيون اليوم بألم، عندما جاء دورهم في مذبحة الشركات الأمريكية للشعوب قبل نصف قرن، حيث نشرت اميركا بركاتها على عراق عبد الكريم قاسم عام 1963 ثم طبقته حرفيا بعد سنتين فقط على اندونيسيا سوكارنو ثم بعد بضعة سنين على شيلي ألندي. لقد كان لضرب عبد الكريم لشركات النفط امثلة أخرى في العالم الثالث، وكذلك رد فعلها عليه، فنال دمار اميركا العديد من تلك الدول، وتركت فيها سيولا من الدم والدموع وذكريات القهر والدمار المتتالي، دون ان تترك لها فرصة للشفاء منه. ه

اليوم، كما هو الأمس، فأن الخط العريض هو أن شركات النفط تخوض مع شعب الدولة التي تتواجد فيها، صراعاً مريرا حول تقاسم مردودات ثروة النفط. وقد يبقى هذا الصراع اقتصادياً بحتاً يتعلق بصيغ عقود الاتفاقات التي توزع الثروة بينهما فتسعى الشركات لعقود تناسبها والشعب للعقود المعاكسة التي تعطيه أكثر، أو قد يتطور إلى صراع وجود، صراع حياة أو موت بين الشعب والشركات، تسيل فيه الدماء والدموع. ه

كلما تمكن الشعب من وضع من يمثله على رأس السلطة، تمكن من التنفس، وكلما وضعت الشركات ممثلها على رأس البلد، جعلت الشعب يدفع غالياً، ثمن ما حصل عليه. لذلك فمعرفة كيفية مجيء راس السلطة أمر حاسم تماما في معرفة أجندته. لا يمكن للشركات أن تأتي بمن يخدم الشعب، أو أن يأتي الشعب – عن وعي، بمن يخدم الشركات. وكثيرا ما يأتي شخص بضغط متوازن بين هذين العدوين اللدودين، الشعب والشركات، كما حدث للمالكي حين أزاحت الشركات الجعفري الذي جاء بالانتخابات، لكنها فشلت في تنصيب عبد المهدي في وقتها بفارق صوت واحد فقط! ه

العبادي، شخص جاء من وراء الكواليس بمفاجأة أمريكية كردستانية وتهديد أمريكي بترك الشعب العراقي تحت رحمة داعش إن لم يقبل به. رضخ الشعب فوزع العبادي المناصب على عصابة مشبوهة بكليتها تقريبا. وجاءت الحكومة تحمل اشد الخطط صراحة في تمزيق وتدمير البلد، ودخل العراق أخطر مرحلة في تاريخه.ه 

كان على عصابة العبادي – عبد المهدي – زيباري، أن تضخ كل ما هو ممكن من ثروة العراق إلى كردستان والأردن (ذيول إسرائيل المفضلة في المنطقة) وتحويل الباقي إلى الأثرياء الفاسدين من العراقيين، لخلق الطبقة الواقية الضرورية لتأمين جريان ثروة العراق إلى الشركات، على أن يتم تضييع بقية الأموال دون بناء شيء. فكل بناء للشعب، هدم لسلطة الشركات وبالعكس. ه

ومن أجل هذا فلا بد ان يغرق الشعب في مشاكل تفقده رشده وتوازنه وتشغله عن الدفاع عن حقوقه. فكان الإرهاب وكانت داعش وكان الفساد الأشد الذي دافعت عنه اميركا صراحة بتهريب من يتم القاء القبض عليه من كبار الفاسدين، بعد تخليصه ولو بقوة السلاح. كما أنها أدخلت داعش وحمتها صراحة وأخيراً جاءت بالعبادي وعبد المهدي، وأطلقت حملة لتحطيم أسعار النفط لتحطم السعودية والعراق نفسيهما وتحطما خصوم أميركا، اي روسيا وفنزويلا. ه

لكن ما يؤخر هذه العصابة عن تنفيذ مشاريع أميركا أن تلك المشاريع وأساليبها قد اكتسبت معان كريهة عند الشعب العراقي إضافة إلى افتضاح القائمين بها فصاروا يتقافزون كالبهلوانات بين التعابير اللفظية لإخفاء معان مفضوحة امام الشعب، ومنها “قانون النفط” وعقود “مشاركة الإنتاج” والتي فضحت بفضل الأستاذ فؤاد قاسم الأمير ورفاقه الذين يدين لهم العراق بالكثير. وقد كشفنا الكثير من مؤامراتهم سابقا وسنكشف هنا المزيد من تلك الألاعيب اللفظية. (1

في ندوة عقدها معهد التقدّم مخصصة للحديث عما سمي “شركة النفط الوطنية” بدأ الدكتور مهدي الحافظ بالثناء على القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي وصفه بأنه “كان بمنزلة الخطوة الاولى لتحرير العراق ونفطه من سيطرة الامتيازات الاستعمارية التي فرضت في ظروف شاذة تتنافى ومتطلبات السيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية المنشودة … مبيناً ان الاهمية السياسية والاقتصادية تحققت في تعديل بنود اتفاقية الامتيازات في عام 1950 وتحقق بموجبها رفع ضريبة النفط الى 50 في المائة وشمول البعثات وتدريب العراقيين على حساب الشركات كما ارتفعت عائدات العراق من صناعة النفط بدرجات كبيرة وانفتح الباب للإفادة منها في مشاريع التنمية والبناء الاقتصادي“.ه

والغريب هنا أنه كان يكيل المديح لما هاجمه ضيف الندوة الأول الوزير عبد المهدي قبل فترة وجيزة حين وصف تلك الخطوة من وجهة نظر الشركات، بأبشع الصفات! وكأن الحافظ كان يريد أن يبرئ نفسه مما سيأتي من فضائح. لكنه لم يستطع إلا أن يكشف حقيقة موقفه حين تساءل إن كانت هناك “ارادة جدية لإعادة النظر ببرنامج عقود الخدمة”، و “ايجاد حل مناسب مع الصيغة المعمول بها في اقليم كردستان والمسماة (الشراكة في الانتاج)”..ه

والحقيقة أن تلك “الإرادة” التي يتباكى الحافظ عليها، هي إرادة الشركات لا غيرها. لأنه لو كتب عنوان مقالة الخبير الاقتصادي أحمد موسى جياد: “مقارنة بين عقود المشاركة بالإنتاج وعقود الخدمة”، أو غيرها من الكثير من المقالات ومن بينها ما كتب الأمير والجواهري وكاتب هذه السطور، لما بقي مجال للشك بأن عقود الشراكة التي يدعو لها الحافظ، مؤامرة صريحة على الثروة الوطنية، بل وأنها صارت معروفة كفضيحة لا يتجرأ الكثير حتى من المأجورين المعروفين ان يجاهروا بالدعوة لها!ه

أما “إيجاد حل مناسب لصيغ عقود كردستان” فمعروف من دراسة سابقة لأكثر من خبير أن عقود كردستان تعطي الشركات أربعة مرات بقدر ما تعطيها عقود الخدمة. وبهاتين النقطتين يعلن الحافظ أنه في خندق الشركات ضد الشعب وأن كل مديحه للقانون 80 والتحرر من الاستعمار، الخ، لم يكن إلا اصباغ تمويه وتحضير لـ “الصدمة” الكبيرة! ه

وزير النفط «عادل عبد المهدي» لم يضع وقته، فهاجم كأحد فرسان الشركات وحرية السوق، الدولة، و”اختزال النظام وكأن الدولة مالكة لكل شيء”. وبدلا من التاريخ الذي يعرفه الجميع في الصراع بين الشركات التي تريد نهب كل شيء، والشعب المدافع عن ثرواته، ذلك الصراع الذي جاء بعصابة عبد المهدي إلى العراق عام 63، تحدث عبد المهدي عن “صراع تاريخي بين الدولة كمالكة لكل شيء والرعية او المواطنين وكأنهم مستأجرون او تابعون“! ه 

وبلغت وقاحة الحارس القومي السابق أقصاها حين تباكى على الدولة التي اممت كل شيء، ثم “اممت الاحزاب فاصبح لدينا حزب واحد واممت القيادات ليصبح لدينا قائدا واحدا”!! وتحدث عن البيان رقم 1 ومجيء البعث والدكتاتورية التي شملت الاقتصاد والسياسة والثقافة.. ثم استولت على المجتمع ليصبح ملكاً للحكومة … وتحول الاقتصاد في السنوات الأخيرة الى “الاقتصاد المافيوي” حيث “الحكومة تضع يدها على كل شيء”، داعياً الى الوقوف بوجه هذا السياق لإعادة الحالة الطبيعية والسياقات الصحيحة كما في بقية الأمم. ه

و”السياقات الصحيحة” عند «عبد المهدي» هي تسليم الشركات مقدرات البلاد الاقتصادية لأنها حامية الديمقراطية والشعب من الدكتاتورية، مؤكداً “ان الشركات في كل دول العالم هي التي تدير الاقتصاد“. ه 

وهنا يجب أن ننسى ان الشركات الأمريكية هي التي جاءت بالبعث والحزب الواحد وأن عبد المهدي كان أحد حثالات الحرس القومي الذين جاءت بهم الشركات في اجندتها التدميرية التي أوصلت البلاد إلى هذه المأساة، وليس سيطرة “الحكومة” على الاقتصاد! ه

ولو عدنا إلى أمثلتنا السابقة، لوجدنا القصة متكررة في اندونيسيا حيث جاءت الشركات بدكتاتورية البشع سوهارتو مثلما حطمت شركات النحاس الأمريكية خيار الشعب الديمقراطي في شيلي، فقتلت الندي وحطمت معه 40 عاما من الديمقراطية في البلاد وأنها هي التي أدخلت البلاد إلى “الاقتصاد المافيوي” في العراق وفي اندونيسيا وشيلي كما في نيكاراغوا والبرازيل وإيران بعد كل انقلاب قامت به الشركات النفطية أو شركات النحاس أو شركة الفواكه الأمريكية! لكنك لن تجد مثل هذه الحقائق في خطاب عبد المهدي ابداً. ه

ورغم شكواه من “المضاعفات التي نعاني منها” و”سببها الرئيس هو قيام الحكومة بقيادة الاقتصاد الذي أنتج الفساد وهدر المال العام” فهو يدعو “الى ان تكون السوق منضبطة تدافع عن مصالح الضعفاء..”!! فهل سمع أحدكم بـ “سوق تدافع عن مصالح الضعفاء” إلا من هذا المراوغ المبدع؟  

كيف سيدافع عبد المهدي عن مصالح الضعفاء؟ ومن يقف بوجهه؟ إنه يأتي لنا بمثل عن ذلك مستشهداً بقرار وزارته برفع سعر قنينة الغاز، لتوفير 100 مليار دينار سنوياً من أجل “توفير المنتجات للفقراء”! يقول عبد المهدي: “من وقف ضد هذا الاجراء هم باعة الجملة لأنهم من يتحمل هذه الزيادة”! مبيناً ان هذا المثال يوضح بجلاء صعوبة الاصلاح في ظل وجود هذه المافيات 

يعني يريد عبد المهدي أن يقنعنا أولا أنه مع “الشركات”، لكنه ضد “باعة الجملة”! وباعة الجملة هؤلاء ليسوا شركات وإنما “مافيات”! والحقيقة أن خصخصة الكهرباء التي يسعى إليها وزيرها ليست سوى توزيع الكهرباء على “مافيات” باعة الجملة للكهرباء، لتعيد هذه بيعها للمواطن بسعر أعلى. ولا ندري كيف يمكن أن يخدم هذا المواطن. وبمثل هذا يريد عبد المهدي أن يقنعنا بأن زيادة سعر قنينة الغاز سوف يكون في صالح المواطن الفقير (عجيب) وضد تجار الجملة، ثم يضيف بكل وقاحة، ولا كأنه يعاكس قوله السابق تماماً ويفنده: “على الرغم من انهم سيعكسونها على المستهلكين“!! ه

وعندما يتحدث عبد المهدي عن شركة النفط “الوطنية” وأنها يجب أن تكون “للمواطنين” فهو يقصد “بعض” المواطنين، مستعيرا من خبرة إسرائيل في تزوير قرارات الأمم المتحدة، لتحول قرارها من “إعادة الأراضي العربية” إلى “إعادة أراض عربية”. فعندما يتقاسم الشركة بضعة “مواطنين” من أصحاب المليارديرات، فإنها ستكون “للشعب”، بينما عندما تكون تحت سلطة الحكومة التي ينتخبها الشعب كله بفقرائه واثريائه، فإنها لن تكون للشعب! صحيح أن الشعب فشل في الحصول على حكومته حتى الآن، لكن هذا هو الأمل الأخير أن يمارس هذا الشعب سلطته على ثروته، وليس من ثمة أمل ان يفعل ذلك ان امتلك ملياردير تلك الثروات كما يريد عبد المهدي. ه

بعد هذا يمتدح عبد المهدي النظام الاقتصادي الصيني، لأنه “في الصين ليس هناك وزارة للنفط انما تدار الثروة النفطية وهي البلد الرابع او الخامس بين الدول المصدرة للنفط انما تدار من قبل الشركات انتاجاً وتسويقاً..” حسب عبد المهدي. ه

أما الحقيقة فأن الصين من أكثر الدول التي تفرض سيطرة الدولة على اقتصادها وتسييره بعيدا عن “حرية السوق” التي يريدها مشغلو عبد المهدي. كذلك فأن الصين ليست “البلد الرابع او الخامس بين الدول المصدرة للنفط” كما يدعي عبد المهدي، وليست حتى مصدرة للنفط، بل هي البلد الأول في استيراد النفط، بعد ان سبقت الولايات المتحدة في ذلك، في العام الماضي!!(2

لكن وزير نفطنا لا يعلم! لقد جيء به لمهمة إتمام ما بدأت الشركات به شباط 63 في العراق، ويبدو أن هذه المهمة لا تتطلب من الوزير أن يعلم من يصدر من الدول ومن يستورد النفط في العالم. المهارة الوحيدة المطلوبة هي ان يكون بارعاً في قلب معاني الكلمات وقلب الحقائق بلا خجل! ه

الجميع في العراق يتحدث اليوم عما حدث في شباط 63 ويتحرق ويتمنى لو عاد الزمن، لانبرى للمخاطرة بحياته وواجه السفلة الذين دمروا البلاد والشعب، بتوجيه الأمريكان، ولأنقذ بلاده بأي ثمن. لكن الحقيقة أن “كارثة شباط 63” ما تزال مستمرة في الوقوع، وهاهو جزؤها الثاني يمرر دون مواجهات او احتجاج أو غضب. فالتحسر على ما حدث قبل نصف قرن، بطولة لا تكلف شيئاً، لذا يمارسها الجميع، اما منع كوارث اليوم والوقوف بوجه أمريكا اليوم وذيولها، فقد يكون مكلفاً، لذلك يترك للقلة ممن قرروا أن يدفعوا ثمن بقائهم شرفاء حتى النهاية. ه

(1) وزير النفط: اقتصادنا مافيوي والشركات هي المشغّل الحقيقي للاقتصاد 

http://www.newsabah.com/wp/newspaper/73655

(2) China oil imports surpass those of US – FT.com 

http://www.ft.com/intl/cms/s/0/342b3a2e-f5a7-11e4-bc6d-00144feab7de.html#axzz3zZKx8Ipr

المصدر: صوت اليسار العراقي 14 شباط 2016

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: