لاتثقوا بالولايات المتحدة: (29) الدولة الإرهابية الأولى في العالم تقود الحرب ضد الإرهاب ! ه

دنيا الوطن: ترجمة واعداد د. حسين سرمك حسن 23 تموز 2015

“عندما أطحنا بحكومة ديمقراطية في ايران قبل خمسين سنة (حكومة مصدّق)، بعثنا برسالة لا الى ايران وحسب، بل الى عموم منطقة الشرق الأوسط.. وكان مفاد تلك الرسالة أنّ الولايات المتحدة لا تساند الحكومات الديمقراطية، بل انها تفضّل وجود حكم رجل قوي يضمن وصولنا الى النفط.. وقد استوعب عدد كبير من الناس في الشرق الأوسط تلك الرسالة بوضوح شديد”. ه
           ستيفن كينزر مؤلف كتاب: “كل رجال الشاه: انقلاب أمريكي وجذور الارهاب في الشرق الاوسط”ه

(تمهيد – مفارقة: وحش أسلحة الدمار الشامل يقود الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل – المفارقة مستمرة: وحش الإرهاب يقود الحرب ضد الإرهاب !- لكن ما هو ملخص قصة إرهاب الدولة الأمريكي هذه ؟- لكن كيف تطورت القصة إلى إدانة الولايات المتحدة بالإرهاب؟- مفارقات .. مفارقات: الدولة الإرهابية الأولى في العالم تنشر الديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان- ولكن السؤال / المفتاح هو: كيف تُحسن أمريكا فرص الاستثمار في بلد من بلدان العالم الثالث ؟- الأمريكيون المتّهمون بالإرهاب يقودون الحرب ضد الإرهاب – أمريكا تحارب ضد الإرهاب ولكنها ترفض قرارات الأمم المتحدة التي تدين الإرهاب!- تعريف الولايات المتحدة للإرهاب ينطبق عليها أوّلاً – مناقشة نظرية تثبت انطباق تعريف الإرهاب على الولايات المتحدة – جريمة تدمير أمريكا لمصنع الشفاء السوداني للأدوية – كم سودانياً مات نتيجة القصف الذي أمر به كلينتون وهل يفوق عدد الضحايا في حادثة 11 أيلول؟ – الكيان الصهيوني “الديمقراطي” شارك في جريمة قصف المعمل – ثم ظهر أن الأدلة كاذبة.. ولم تعتذر الولايات المتحدة – منطق أمريكا الإرهابي يفرض على السودان الضحية دفع التعويضات!! – سبب سرّي لتدمير معمل الشفاء مُرتبط بالإرهابي رامسفيلد – ملاحظة عن هذه الحلقات). ه

تمهيد: يُصاب المراقب العادي بالدهشة المُحيّرة حين يتابع سلوك الولايات المتحدة في مجال حربها ضد الإرهاب وهو الشعار الذي رفعته منذ الثمانينات. فقد رأينا كيف أن هذه الدولة هي حامية الإرهابيين المُطاردين من قبل شعوبهم ومحاكم بلدانهم بسبب جرائمهم ضد الإنسانية وسحقهم لحقوق الإنسان – بل الإنسان نفسه – بلا رحمة ، وكيف صارت الملاذ الآمن لعشرات الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم وأرواحهم بدماء الأبرياء ، وبعضهم كان مسؤولاً عن فرق موت درّبتها الولايات المتحدة نفسها وأبادت الآلاف من البشر الأبرياء (راجع حلقة: الولايات المتحدة حامية الإرهابيين وملاذهم الآمن). ورأينا أيضاً الكيفية التي تعمل فيها الولايات المتحدة – وبثبات لا يلين – على إجهاض التجارب الديمقراطية في البلدان النامية، وإسقاط الرؤساء المًنتخبين بصورة حرّة من قبل شعوبهم. كما تابعنا كيف تعمل الولايات المتحدة، مقابل ذلك، على دعم ومساندة الحكام الطغاة الديكتاتوريين الذين يسفكون دماء الشعوب ويسلّمون ثرواتها للشركات الأمريكية المستغلة . وكل ذلك قدّمناه مُدعماً بالأمثلة التاريخية القاطعة ، وبالأسماء والتواريخ . ولكن هناك جانباً مهمّاً، ومُكمّلاً، من جوانب السلوك الأمريكي المُنافق في مجال الحرب ضد الإرهاب، ويتمثل في “إرهاب الدولة” الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها على بلدان العالم وخصوصا بلدان “العالم الثالث” – هذا المُصطلح المُلطّف الذي ابتكره الجنرال ديغول آنذاك لوصف حالة البدان المتخلفة – . ومن خلال مراجعة سلوك الولايات المتحدة على مرّ العقود – بل القرون – يمكننا القول، وبلا تردّد، إنّ الولايات المتحدة هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم التي لا تُمارس الإرهاب كـ “منظمات” وفصائل ومجموعات مسلّحة فحسب، ولكن كـ “دولة” يقوم تعاملها السياسي والعسكري مع بلدان وشعوب العالم على أساس “الإرهاب”.ه

ه# مفارقة : وحش أسلحة الدمار الشامل يقود الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل: ه
في فيتنام قدّمت الولايات المتحدة الأنموذج المتكامل للإستخدام الوحشي لأسلحة الدمار الشامل – العوامل الكيمياوية بشكل خاص حيث استعملت العامل البرتقالي الذي يحتوي على عامل شديد السمّية هو الديوكسين الذي طهّر الأراضي الزراعية الفيتنامية وجعلها قاحلة وقتل مئات الألوف من الفيتناميين أكثرهم من الأطفال . ثم جاءت الجريمة الأخرى في كولومبيا حيث استخدمت الولايات المتحدة المواد الكيمياوية في طريقة سُمّيت بـ “التبخير” دمّرت بها مزارع البن لتهيئة الأرض لحفر مناجم الفحم فشرّدت آلاف الفلاحين وتسببت في موت الآلاف . والولايات المتحدة هي أول دولة تستخدم اليورانيوم المنضب الذي يُختزن في التربة لمدة أربعة آلاف عام ويسبب تشوهات المواليد وآلاف الإصابات السرطانية كما حصل في العراق ويوغوسلافيا. ناهيك عن أنّها الدولة الوحيدة والأولى التي استخدمت السلاح النووي في تدمير مدينتين يابانيتين في الحرب الغربية الثانية كما هو معروف.ه 

فكيف تصبح هذه الدولة صاحبة الريادة في استخدام أسلحة الدمار الشامل المحرّمة، والتي تلوّثت يداها القذرتان بدماء مئات الألوف من ضحاياها هي القاضي الذي يحكم في حق من يمتلك مثل هذه الأسلحة ومن لا يمتلكها، وهي فاقدة المصداقية في هذا المجال؟ (تشومسكي: النظام العالمي القديم والجديد، الهيمنة أم البقاء). ه

ه# المفارقة مستمرة: وحش الإرهاب يقود الحرب ضد الإرهاب! ه
والإستنتاج نفسه ينطبق على موقف الولايات المتحدة من قضية الإرهاب ، فهي لا تصلح لأن تكون حكما في هذا المجال لثلاثة اسباب: الأول أنها هي التي أدخلت الإرهاب في حياة العالم المعاصر، والثاني أنها هي الداعمة له في كل مكان، والثالث هو أنها أول دولة أدينت رسميا بالإرهاب من قبل المحكمة الدولية ، والرابع هو أنها الدولة الوحيدة صاحبة الريادة والدور الفعلي في دعم ورعاية الدول الإرهابية. ه

فالزعيم الحالي “للحرب على الإرهاب” وهو الولايات المتحدة هو (الدولة الوحيدة في العالم التي أدانتها المحكمة الدولية بالإرهاب والتي استخدمت الفيتو ضد قرار لمجلس الأمن يدعو جميع الدول إلى احترام القانون الدولي). أي أن أول سابقة في تاريخ السياسة الدولية لما يصطلح عليه بإرهاب الدولة كان مرتبطا بالسلوك السياسي والعسكري الإرهابي للولايات المتحدة. هذه الدولة هي التي أدخلت مفهوم إرهاب الدولة عمليا في الحياة السياسية العالمية، ولم تكن دول العالم تعرفه قبل ذلك، كما أن الأمم المتحدة لم تتعاط مع هذا المفهوم إلا على أيدي أمريكا. (تشومسكي: القوة والإرهاب – جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية).ه
لكن ما هو ملخص قصة إرهاب الدولة الأمريكي هذه؟
يلخّصها تشومسكي بقوله: (كان على الولايات المتحدة شن هجوم على نيكاراغوا لأن هذه الأخيرة كانت دولة ديمقراطية ولم تكن تملك جيشا (وفرق موت) يُنفّذ أعمال الإرهاب في شعبه كما فعلت بلدان أخرى تدعمها الولايات المتحدة). ه
لكن لماذا تشن الولايات المتحدة هجوما على دولة متصالحة مع شعبها؟؟ لهذه الظاهرة التي تبدو غريبة وقفة مهمة قريبة تعكس وجها ثانيا لإرهاب الولايات المتحدة وسلوكها المنافق المتعلّق بالديمقراطية، لكن دعونا الآن نمضي مع تشومسكي وهو يعرض لنا أبعاد العدوان الوحشي الذي قامت به الولايات المتحدة على دولة رفضت قتل شعبها استجابة للأوامر الأمريكية: (كان الهجوم الأمريكي على نيكاراغوا خطيرا جدا؛ إذ أسفر عن مئات الآلاف من القتلى، وتدمير البلاد تدميرا كاملا. فأصبحت نيكاراغوا الآن ثاني أفقر دولة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ولن تنتعش بعد ذلك أبداً).ه
لكن كيف تطورت القصة إلى إدانة الولايات المتحدة بالإرهاب؟
يقول تشومسكي: ( وبما أن الولايات المتحدة في هذه الحالة، كانت تهاجم بلدا، وليس شعب ذلك البلد فحسب [ كما كان في السلفادور، وغواتيمالا، وهندوراس ]، كان ذلك البلد قادرا على إتباع وسائل الاستعانة المتاحة للدول. فكان رد فعلها بالطريقة التي من المفروض أن تتبعها أية دولة ملتزمة بالقانون في الرد على الإرهاب الدولي الجماعي: أي اللجوء إلى المؤسسات الدولية. فأول ما فعلته نيكارغوا، هو الذهاب إلى المحكمة الدولية التي أدانت الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي (بسبب استخدامها اللاشرعي للقوة)، ولانتهاكها المعاهدات. فأمرت الولايات المتحدة أن تُنهي الجرائم فوراً وتدفع تعويضات كبيرة [بين 17 – 18 مليار دولار]).ه

فماذا كان ردّ فعل الولايات المتحدة أمّ الديمقراطية في العالم والمدافعة عن حقوق الإنسان كما تزعم؟ وهل انصاعت لقرار المحكمة الدولية كما يُفترض بأي دولة متحضرة؟
الجواب هو: كلا .ه
والأنكى من ذلك هو أنها اندفعت بطريقة حيوانية هوجاء إلى تصعيد الحرب ، ولكن على من هذه المرّة ؟
على الأهداف المدنية .. الموت .. الموت .. القتل .. القتل .. الدم .. الدم .. الدم . هذا هو شعار الولايات المتحدة الدائم وعبر تاريخها ، فانظر ماذا قامت به هذه الدولة الشيطانية كما فعلت لاحقا مع العراق عام 1991:ه
(كان ردّ فعل الولايات المتحدة تصعيد الحرب، والغريب بتأييد من الحزبين ( بتأييد من الحزبين: الديمقراطي والجمهوري وهما في الواقع حزب واحد هو حزب المال كما يقول غارودي) فأعطت لأول مرة أوامر رسمية بمهاجمة ما يُسمى بـ ” الأهداف اللينة ” – مثل المستوصفات الصحية، والتعاونيات الزراعية، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه والصرف الصحّي والجسور .. وما إلى ذلك . وتابعت الهجوم إلى أن رضخ الشعب وصوّت في النهاية لصالح مرشح الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا للبلاد ، فتوقف الرعب في العام 1990). (تشومسكي : القوة والإرهاب – جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية).ه

ه# مفارقات .. مفارقات : الدولة الإرهابية الأولى في العالم تنشر الديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان:ه
يظهر – وبسخرية – التزام الولايات المتحدة الراسخ بنشر الديمقراطية ومكافحة الديكتاتوريات ، ودفاعها الصلب عن حقوق الإنسان في ظاهرتين هامتين : ه
الأولى ( أن العلاقة بين المساعدات الأمريكية والإساءة الفائقة لحقوق الإنسان أصبحت وثيقة جدا ، بحيث لم تعد هناك حاجة لدراستها أو تقصّيها . كان يمكن دراستها في ستينات القرن العشرين وسبعيناته ، أما في ثمانيناته فقد أصبحت علاقة وثيقة وواضحة للغاية (…) فقبل عشرين عاما أثبت ( لارس شولتز ) في دراسة واسعة وجود علاقة وثيقة بين المساعدات الأمريكية والإساءة إلى حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية حيث تستلم أفظع الدول في انتهاك حقوق الإنسان أعلى المساعدات . وإذا ألقيت نظرة على سجلات هيئة العفو الدولية بشأن التعذيب ، وعلى المساعدات الأمريكية الأجنبية فلسوف تجد العلاقة الوثيقة واضحة . وليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة تفتش عن الدول التي تُعذّب مواطنيها لتقدم لها المساعدات ، ولكن لأن الشرط الأساس في بناء علاقة الولايات المتحدة بأية دولة هو تحسين المناخ الاستثماري ، حيث ترتفع المساعدات الخارجية حيثُ تتحسن فرص المستثمرين في استخراج موارد بلد ما . ه
ولكن السؤال / المفتاح هو : كيف تُحسن أمريكا فرص الاستثمار في بلد من بلدان العالم الثالث ؟
إن فرص الإستثمار تتحسن من خلال قتل مسؤولي الاتحادات وزعماء الفلاحين وقادة المعارضة ونسف البرامج الاجتماعية وغير ذلك ، وهنا تنشأ العلاقة الثانوية بين المساعدات وانتهاكات حقوق الإنسان الفاضحة . فكولومبيا (راجع الحلقة (17) كولومبيا : أكثر دولة تسحق حقوق الإنسان وأكثر دولة في العالم تحصل على المساعدات الأميركية) مثلا كانت في العام 1999 أول وأكبر متلق للسلاح الأمريكي رغم أنها كان لها أسوأ سجل في حقوق الإنسان في نصف الكرة الأرضية ، ولكنها حصلت على مساعدات أمريكية أكثر من بقية الدول في نصف الكرة الأرضية مجتمعة . هذه المساعدات كانت تزداد كلما صارت ” مذابح المناشير السلسلية ” أكثر وحشية وترويعا – وهذه المذابح مطابقة لمذابح تقطيع الرؤوس والأجسام التي شهدها العراق بعد الاحتلال – وفي هذه المذابح كان الجيش الكولومبي حين يدخل أي منطقة فإنّه يقوم بتقطيع أجساد الناس إلى أجزاء بالمناشير السلسلية ويلقي بهم في حُفر . وقد ارتفع عدد الذين يُقتلون سياسيا من عشرة إلى عشرين شخصا يوميا . وبلغ عدد المطرودين من بيوتهم عشرة آلاف شهريا . إضافة إلى المليونين من المُهجّرين (أليس هذا سيناريو العراق ؟؟) . وقد أدرك الجيش الكولومبي أنه سيُحاسَب دوليا فسلّم جرائم القتل إلى الميليشيات المسلحة وفرق الموت – مثلما سيحصل في العراق أيضاً – ، ( وتمّ قتل – والكلام لتشومسكي – ثلاثة آلاف شخصية بارزة على أيدي فرق الموت المرتبطة بالولايات المتحدة والمدعومة منها عسكريا (…) والجيش متعاون مع شركات أمريكية أمنيّة خاصة مثل شركة دين كورب ومؤسسة الموارد المهنية العسكرية وذلك لخصخصة جرائم الموت وإبعادها عن المحاسبة – نفس ما سيحصل  في العراق !! – وهذا ما أعلنه الرئيس الأمريكي “بيل كلنتون” ممارس الجنس في حرم البيت الأبيض مصّاً وإيلاجاً بقوله : ” حسنا ، أننا فقط نهملهم ” . يقول تشومسكي أنه تأكد من كل ذلك بنفسه عندما زار كولومبيا مثلما تأكد من طريقة التبخير بالأسلحة الكيمياوية . وقد أعلن كولن باول قائد تدمير العراق في 1991 ثم محتله عام 2003 والمعترف بكذبة قنينة الأنثراكس الآن – بأن كولومبيا لبّت معايير واشنطن لحقوق الإنسان . وسبب دعم أمريكا لنظام الموت في كولومبيا هو ” إصلاحاتها الاقتصادية ” على الطريقة الأمريكية حيث سجلت رقما قياسيا عالميا في الخصخصة ، أي بتسليم موارد البلاد لمستثمرين أجانب ، ومن بين هذه الخصخصة ، خصخصة الإرهاب . (المصدر السابق نفسه).ه

ه# الأمريكيون المتّهمون بالإرهاب يقودون الحرب ضد الإرهاب : ه
أما الثانية الهامة – والحديث ما زال لتشومسكي – (فلها علاقة باستمرارية الإرهاب الدولي . ليس هذا مستمرا فيما يتعلق بما حدث من قبل فحسب ، بل ، لو ألقيت نظرة على الذين يقودون الآن ” الحرب على الإرهاب ” فإنك تتساءل ما الذي كانوا يفعلونه حينذاك ؟ . إن الذي يقود “الحرب على الإرهاب” الآن هو “دونالد رامسفيلد” – الذي أشرف على حرق بغداد لاحقا بدعوى أن لكل شعب طريقته في الاحتفال بالحرية – الذي كان مبعوث الرئيس رونالد ريغان إلى الشرق الأوسط مشاركا في “الحرب على الإرهاب” التي كنت أصفها لكم قبل قليل. أمّا الجانب الدبلوماسي من “الحرب على الإرهاب” الحالية فيقوده: “جون نغرو بونت” – الذي سيعمل سفيرا لأمريكا في العراق بعد الاحتلال لكي “ينظّم” الديمقراطية الجديدة – الذي عُين سفيرا للولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة ليقود “الحرب على الإرهاب”. كان في تلك الأعوام سفيرا للولايات المتحدة إلى هندوراس التي كانت قاعدة للولايات المتحدة لعمليات الإرهاب في المنطقة، وبؤرة محددة، من أجل الإعداد للحرب على نيكاراغوا والإشراف عليها). (المصدر السابق نفسه)ه

ه# أمريكا تحارب ضد الإرهاب ولكنها ترفض قرارات الأمم المتحدة التي تدين الإرهاب!:ه
لكن الوجه المكمل لصناعة إرهاب الدولة الذي تبنته الولايات المتحدة بالإضافة إلى الفعل العسكري والاقتصادي والإعلامي ، فهو السلوك السياسي والدبلوماسي الإرهابي . فالولايات المتحدة هي أول دولة كبرى في العالم ترفض قرارات الأمم المتحدة التي تدين الإرهاب . ففي شهر كانون الأول من العام 1987 أصدرت الأمم المتحدة قرارا كبيرا يدين الإرهاب بكل أشكاله، ودعت كل الدول في العالم أجمع أن تفعل ما بوسعها لقمع هذا الطاعون المخيف وإخماده. امتنعت دولة واحدة عن التصويت هي هندوراس، وصوتت ضده دولتان هما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني اللقيط.ه
ولكن ما هي أسباب تصويت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني اللقيط ضد القرار؟
الأسباب كما شرحها الطرفان الرافضان هو وجود فقرة في القرار تقول: “لا يمكن لأي شيء في القرار الحالي أن يمس حق تقرير المصير، وحق الحرية والاستقلال للشعوب وخصوصا تلك الشعوب التي ترزح تحت أنظمة عنصرية واحتلال أجنبي ..”.ه
 وكان على الولايات المتحدة و(إسرائيل) التصويت ضد القرار لأن عبارة “أنظمة استعمارية وعنصرية ” يُقصد بها جنوب أفريقيا التي كانت حليفتهما في حين كانا يعدّان “نيلسون مانديلا” وحزبه عدواً لهما بل من ” أشهر المجموعات الإرهابية في العالم ” ، كما فهما أن عبارة ” احتلال أجنبي أو أشكال الهيمنة الاستعمارية الأخرى ” يُقصد بها احتلال (إسرائيل) العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة (وليس احتلال فلسطين كلها) .
ولكن هناك جانباً أخطر هو تعطيل ميثاق جنيف الذي وقّعته الولايات المتحدة لتحريم الأفعال الوحشية ضد الشعوب ( أساسا ضد النازي ) . لكن كل شيء يهون من أجل عيني “إسرائيل” حتى لو كان ثمن ذلك سحق ميثاق عالمي رعته الولايات المتحدة نفسها . ففي أكتوبر من العام 2000 مثلا ، بعد انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية أقر مجلس الأمن للمرة الثانية أن اتفاقات جنيف تنطبق على الأراضي التي تحتلها “إسرائيل” ، وكان التصويت بالإجماع ( 14 عضوا ) عدا الولايات المتحدة التي امتنعت عن التصويت وبالتالي أُسقط القرار عمليّاً. (تشومسكي : الدولة الفاشلة).ه

ه# تعريف الولايات المتحدة للإرهاب ينطبق عليها أوّلاً :ه
تعريف الإرهاب حسب الوثائق الأمريكية والتي تثبت أن الولايات المتحدة دولة إرهابية هو: العمل الإرهابي يعني أي نشاط: (أ) ينطوي على فعل عنيف أو فعل يشكل خطرا على الحياة الإنسانية ، أي أنه انتهاك للقوانين الجنائية في الولايات المتحدة أو أي ولاية . أو ذلك الذي يمكن أن يكون جنائيا إذا ارتُكب داخل الإختصاص القضائي للولايات المتحدة أو أي ولاية . (ب) يبدو المقصود منه: 1-تخويف أو إجبار السكان المدنيين 2-التأثير على سياسة حكومة بالترهيب أو الإجبار 3-التأثير في مسلك حكومة عن طريق الإغتيال أو الأختطاف (قانون الولايات المتحدة – أخبار الكونغرس والإدارة – 1984) ه

وبإيجاز إن تعريف الحكومة الأمريكية الرسمي للإرهاب هو : ( التهديد أو استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية أو دينية أو غير ذلك من خلال تخويف الناس ونشر الخوف في صفوف المدنيين وما إلى ذلك) ، وبذلك يكون الغزو (الإسرائيلي) للبنان الذي تسبّب في عشرين ألف ضحية ، مثالا مدرسيا على ذلك . ويعلّق تشومسكي على هذا التعريف بالقول : (وفق هذا التعريف لا بدّ من إحضار قادة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى محاكمات كمحاكمات نورمبرغ ).ه
تلك الصياغة تترك الكثير من الأسئلة مُعلقة من بينها ذلك السؤال حول شرعية أعمال عنف تهدف الى بلوغ حق تقرير المصير أو الحرية او الاستقلال، حسب ما هو ثابت في خطاب الأمم المتحدة، لشعوب محرومة بالقوة من تلك الحقوق.. لاسيما الشعوب التي ترزح تحت نير أنظمة استعمارية وعنصرية او احتلال اجنبي، مع العلم بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد دعمت، في أشد بيان لها عن الجرائم الارهابية، تلك النوعية من الأعمال المُقاوِمة بـ 153 صوتاً مقابل صوتين فقط. وفي سياق توضيح صوتيهما السلبيين الرافضين ، أشارت كل من الولايات المتحدة و “اسرائيل” الى العبارات التي انتهينا من الاستشهاد بها للتو حيث يُفهم منها انها برّرت المقاومة ضد نظام جنوب افريقيا، حليف الولايات المتحدة المسؤول عن اكثر من مليون ونصف المليون من القتلى وعن 60 مليار دولار من الأضرار لبلاد مجاورة بين عامي 1980 ـ 1988 فقط، وذلك بغض النظر عن الأضرار التي تسبّب بها داخل جنوب افريقيا نفسها. تلك المقاومة كانت بقيادة المؤتمر الوطني الافريقي، بزعامة نلسون مانديلا، والذي يُعد اكثر الجماعات الارهابية، بروزا حسب تقرير للبنتاغون صدر عام 1988 ، بينما وصفت الولايات المتحدة منظمة «آر إي إن ايه ام اوه» الإرهابية المُمولة من قبل حكومة جنوب افريقيا، في التقرير نفسه بأنها «مجموعة سكان أصليين متمردة» لا أكثر ولا أقل ، على الرغم من الإشارة الى أنها ربما قتلت 100 الف مدني في موزامبيق خلال السنتين السابقتين. يُلاحظ أن الجمل والعبارات ذاتها قد استُخدمت من أجل تبرير المقاومة للاحتلال “الاسرائيلي” في عامه العشرين حينها، الذي يسيطر على الاراضي المحتلة ويخضعها بواسطة العنف المنظم بمساعدة عسكرية ودبلوماسية حاسمة من جانب الولايات المتحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجانب الدبلوماسي في المساعدة يهدف الى محاصرة وتقويض الموافقة الدولية القائمة منذ سنوات كثيرة فيما يتعلق بالحاجة الى اتفاق سلمي). (تشومسكي: الدولة الفاشلة)ه

ه# مناقشة نظرية تثبت انطباق تعريف الإرهاب على الولايات المتحدة : ه
(على ضوء قرار محكمة العدل الدولية في الحالة النيكاراغوية لنأخذ بعين الاعتبار بعض البراهين القانونية التي قُدمت لتبرير القصف البريطاني ـ الاميركي لافغانستان وانا – والقول لتشومسكي أيضاً – لا اقصد هنا فعاليته وانما مستلزماته في حال تم الإبقاء على مبدأ المعايير العالمية حيث يبرهن “كريستوفر جرينوود” على ان للولايات المتحدة الحق في «الدفاع عن النفس» ضد «من تسبّبوا او هددوا بالموت والدمار» . لكن استشهاده هذا يمكن تطبيقه على حرب الولايات المتحدة ضد نيكاراغوا بشكل أوضح بكثير من تطبيقه على حركة طالبان او منظمة القاعدة بحيث اذا كان صحيحا لتبرير القصف وهجوم الولايات المتحدة البرّي في افغانستان فسيكون لنيكاراغوا الحق بالقيام بهجمات أكثر وأشد شراسة ضد الولايات المتحدة. وهناك أستاذ مرموق آخر في القانون الدولي هو “توماس فرانك” يساند حرب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضد افغانستان بحجة «أن أي دولة هي مسؤولة عن العواقب التي يمكن ان تنجم عن السماح بأن تكون أراضيها مُستخدمة للإضرار بدولة اخرى»، هذا يمكن ان يُطبّق – وبكل ثقة – على الولايات المتحدة في حالات نيكاراغوا وكوبا ودول أخرى كثيرة كون الكثير من تلك الحالات خطيرة الى الحد الأقصى. ولنأخذ بعين الاعتبار حالة هاييتي التي قدّمت أدلة وفيرة لدعم مطالباتها المتكررة بتسليم الإرهابي “ايمانويل كونستانت” الذي قاد القوات المسؤولة عن آلاف القتلى في ظل حكومة الانقلاب العسكري الذي ساندته الولايات المتحدة تقنيا (راجع أيضاً الحلقة (27) أمريكا حامية الإرهابيين وملاذهم الآمن وكذلك الحلقة (8) تدمير هاييتي وإخراجها من الحياة) . والولايات المتحدة ترفض تلك المطالبات، ربما لأنها تخشى من أن يتمكن كونستانت من الإدلاء باعترافات مثيرة ومُربكة في حال أُخضع للمحاكمة، ولقد تم التقدم بأحدث مطالبة تسليم في الثلاثين من شهر سبتمبر عام 2001، وذلك في الوقت نفسه الذي طالبت الولايات المتحدة حركة طالبان بتسليم إبن لادن، ولقد تمّ تجاهل تلك المصادقة ايضا انسجاما مع المبدأ القائل بأنه يجب رفض أقل المعايير الاخلاقية بحزم. بالعودة الى «الرد المسؤول» نجد ان المناداة بتطبيقه في حالات يمكن تطبيقه فيها بشكل واضح، لا تسبّب ولا تثير سوى الهياج والاحتقار ، فلقد صاغ البعض مباديء اكثر عمومية من أجل تبرير حرب الولايات المتحدة ضد افغانستان. هناك باحثان من اكسفورد يقترحان مبدأ «النسبية» الذي يفيد بأنه سيتم تحديد نطاق الرد من خلال قوة تأثير العدوان على القيم المُسيطرة في المجتمع المُهاجِم حيث تتجسد هذه القيم في حالة الولايات المتحدة في «الحرية» التي تهدف الى تحسين الوضع الشخصي في مجتمع متعدد يعتمد على اقتصاد السوق هوجم غيلة في الحادي عشر من سبتمبر من قبل بعض «المعتدين الذين تتباين استقامتهم الاخلاقية مع الغرب»، وبما ان افغانستان هي دولة تتحالف مع المعتدين وبما انها رفضت تسليم المشتبه بهم ، فإن «الولايات المتحدة وحلفاءها حسب مبدأ النسبية، كان بوسعها اللجوء الى استخدام مُبرّر اخلاقي للقوة ضد حركة طالبان. لكن وفقا لمبدأ الشمولية، فلقد كان بوسع هاييتي ونيكاراغوا «اللجوء الى استخدام مبرر اخلاقي للقوة» لقصف حكومة الولايات المتحدة ، إذ أن ذلك الاستنتاج يمتد الى ماهو أبعد بكثير من حالتي ارهاب الدولة، واحدة أكثر جدّية والأخرى أقل اهمية من قصف كلينتون لمنشأة «الشفاء» الخاصة بصناعة الأدوية في السودان عام 1998، هذا القصف الذي تسبب بعشرات آلاف القتلى حسب السفير الألماني في السودان ومصادر موثوقة أخرى تتطابق استنتاجاتها مع تقويمات فورية لمراقبين عارفين وعلى اطلاع جيد، إذنْ يمنح مبدأ النسبية السودان الحق بالقيام بأعمال انتقامية ذات رعب جماعي، وهذا الاستنتاج يتعزّز إذا اعتبرنا ان ذلك العمل الامبريالي كانت له «عواقب اجتماعية واقتصادية مرعبة بالنسبة للسودان، بطريقة كانت تلك الفظاعة أسوأ بكثير نسبيا من جرائم الحادي عشر من سبتمبر، فعلى الرغم من هول ما حدث في هذا اليوم، إلّا ان درجة خطورة العواقب لم تكن بذاك القدر. ويشير غالبية المعلقين حول قصف السودان الى قضية مصداقية الإعتقاد بأن ذلك المصنع كان يُنتج أسلحة كيماوية، لكن لم يُطرح في أيّ من الأحوال موضوع «شدة تأثير الاعتداء على قيم أساسية في المجتمع المُهاجِم» كالبقاء على قيد الحياة على سبيل المثال، وثمة آخرون يركّزون على أن القتلى لم يكونوا مقصودين، مثلما هي حال الكثير من الفظاعات التي ندينها عن حق، لكن في هذه الحالة بالكاد يمكن الشك بأن استراتيجيي الولايات المتحدة كانوا يعرفون جيدا العواقب الحتمية المُحتملة للقصف، الأمر الذي لا يمكن التسامح معه سوى على قاعدة الافتراض الهيجلي (نسبةّ إلى الفيلسوف الألماني هيجل) بأن الأفريقيين هم «أشياء صرفة» وبأن حياتهم «لا قيمة لها» موقف يتطابق مع الممارسة الى درجة أن الضحايا تفهم هذا الوضع جيدا وتستخرج استنتاجاتها الخاصة حول «استقامة الغرب الاخلاقية». (تشومسكي: مقالة نحو تعريف عالمي للإرهاب – مقالة في موقع تشومسكي الإلكتروني- مترجم في صحيفة البيان ايضاً).ه

لكن ، ما هي حكاية تدمير أمريكا لمعمل الشفاء لصناعة الأدوية في السودان ؟

ه# جريمة تدمير أمريكا لمصنع الشفاء السوداني للأدوية :ه
يقول روبرت كوبر، وهو مستشار لتوني بلير للشؤون الخارجية: “ علينا أن نعتاد المعايير المزدوجة”. ويتعزز ذلك في وسائل الإعلام بتكرار الحقائق المُتلقاة مقنّعة بلبوس الأخبار. فعلى سبيل المثال، حياة البعض لها قيمة إعلامية في حين أن حياة الآخرين ضئيلة القيمة. ومقتل من هم “منّا” يُعدّ جريمة، والباقي ليسوا بشراً. وتتجلى بشاعة هذه المعايير الأمريكة – الغربية المزدوجة المقيتة بأفظع صورها في عملية قصف معمل الشفاء للأدوية في السودان.ه

عندما أمر الرئيس الشاذ “بيل كلنتون” بإطلاق الصواريخ على مصنع الشفاء للأدوية في السودان في سنة 1998، مدعيا أنه “مرفق للأسلحة الكيميائية”، كان ذلك عملاً إرهابياً بكل المقاييس. فالمصنع معروف جيداً بأنه المصدر الوحيد لـ 90 بالمئة من الأدوية الأساسية لأحد أفقر البلدان. ه
لقد كان المصنع الوحيد الذي ينتج الكلوروكين، العلاج الأكثر فعّالية للملاريا، وأدوية مضادة للسل كانت تشكل طوق النجاة لأكثر من 100000 مريض بكلفة تقدر بنحو جنيه استرليني واحد في الشهر. وما من مكان آخر ينتج أدوية بيطرية تقضي على الطفيليات التي تنتقل من الماشية إلى البشر، وهي من الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال في السودان.ه

ونتيجة للهجوم الأميركي، وكما كتب “جوناثان بلك” من مؤسسة الشرق الأدنى، وهي مؤسسة إنسانية محترمة، “عانى عشرات الآلاف من الناس – وكثير منهم أطفال – من الملاريا والسُّل وغيرهما من الأمراض التي يمكن علاجها وماتوا… والعقوبات (الأميركية) ضد السودان تجعل من المتعذر استيراد الكميات الكافية من الأدوية لسد الفجوة الخطيرة التي خلفها تدمير المصنع.” (جون بيجلر: حكّام العالم الجدد).ه
كم سودانياً مات نتيجة القصف الذي أمر به كلينتون وهل يفوق عدد الضحايا في حادثة 11 أيلول؟
يقول سفير ألمانيا في السودان: “ يبدو أن عدد الضحايا هو عشرات الآلاف تخميناً معقولاً. وقد “منعت واشنطن إجراء تحقيق من قبل الأمم المتحدة طالبت به الحكومة السودانية. لم يرد شيء من ذلك في الأخبار. وعندما قارن نعوم تشومسكي هذا العمل الإرهابي بالاعتداء على برجي مركز التجارة العالمي، أساء إليه معلّقون مشهورون في الولايات المتحدة بمن فيهم من قال إنه متهادن مع الفاشية”. (حكام العالم الجدد).ه

ه# يقول تشومسكي: “خذ تدمير مصنع الشفاء للصناعات الدوائية في السودان وهو أكثر من ضحايا 11/9. لو حصل هذا الأمر ضد الولايات المتحدة أو بريطانيا أو (اسرائيل) العاهرة لقامت الدنيا ولم تقعد. وقد سعت السودان كي تجري الأمم المتحدة تحقيقا في مبررات القصف، لكن حتى هذا عرقلته واشنطن، والضحايا ليسوا من سقط بصواريخ كروز فقط بل نتيجة الجريمة كلّياً. فبعد الهجوم بعام، وبدون الدواء المنقذ للحياة الذي كانت تنتجه المرافق المُدمّرة استمر عدد الموتى في السودان نتيجة القصف في الإرتفاع، باستمرار .. وهكذا إن عشرات الألوف من البشر – كثير منهم من الأطفال – عانوا الملاريا والتدرن وغيرهما ، وماتوا من أمراض يمكن علاجها. فقد كان مصنع الشفاء يقدم أدوية سعرها في المتناول للبشر، كذلك يقدم جميع الدواء البيطري المتاح في السودان، إذ كان الشفاء ينتج 90% من منتجات السودان الدوائية الكبرى. كما أن العقوبات المفروضة على السودان تجعل من المستحيل استيراد كميات كافية من الدوية اللازمة لسد الفجوة الخطيرة التي خلفها تدمير المصنع. مازال الإجراء الذي اتخذته واشنطن في 20 آب 1998 يحرم شعب السودان من الأدوية التي تمس الحاجة إليها. ولابد أن يتعجب الملايين من الكيفية التي سوف تحتفل محكمة العدل الدولية في لاهاي بالذكرى السنوية لتأسيسها (حتى هذه المحكمة أفسدتها الولايات المتحدة ). ويكتب سفير ألمانيا في السودان: “من الصعب تقييم عدد الاشخاص الذين ماتوا في هذا البلد الأفريقي الفقير نتيجة للدمار الذي لحق بمصنع الشفاء، لكن القول بأنهم عدة عشرات من الآلاف يبدو تقديرا معقولا. كما قال “توم كارنافين” المدير الفني الذي لديه معرفة وثيقة بالمصنع المدمر “إن فقد هذا المصنع يعد مأساة للمجتمعات الريفية التي تحتاج إلى هذه الأدوية”.ه

وقالت الأوبزرفر: “كان الشفاء يقدم خمسين في المائة من أدوية السودان، وخلّف دماره البلاد بدون مدد من الكلوروكوين وهو العلاج المعتمد للملاريا”. ولكن بعد ذلك بشهرين رفضت حكومة العمال البريطانية طلبات بإعادة التزويد بالكلوروكوين لإسعاف الطوارىء حتى يستطيع السودانيون إعادة بناء إنتاجهم الدوائي “.ه

وقالت الجارديان: “كان مصنع الشفاء هو الوحيد الذي ينتج هذه العقاقير لما يزيد على 100000 من المرضى ، بسعر جنيه بريطاني واحد في الشهر لمرضى لا يملك معظمهم اختيار البدائل المستوردة الأكثر تكلفة. كان الشفاء هو المصنع الوحيد الذي يصنع العقاقير البيطرية في هذه البلاد الشاسعة التي يغلب عليها النشاط الرعوي، وكان مختصا في صناعة العقاقير التي تقتل الطفيليات التي تنتقل من القطعان إلى رعاتها وهذا أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال في السودان “.ه

و “جوناثان بليك” المدير الإقليمي لبرنامج مؤسسة الشرق الأدنى صاحب الخبرة الميدانية يعد تدمير مصنع الشفاء أشبه بقيام شبكة ابن لادن بهجوم واحد على الولايات المتحدة مما تسبب في أن “مئات الآلاف من الناس – الكثير منهم من الأطفال – يعانون ويموتون من أمراض يسهل علاجها ” . يعلق تشومسكي: “مع أن التشبيه كما تلاحظ غير منصف. فمنطقة السودان واحدة من أقل مناطق العالم تطورا ذلك أن مناخها القاسي وسكانها المتناثرين، وما بها من مخاطر صحية وبنيتها التحتية المتهالكة تتظافر بحيث تجعل الحياة بالنسبة للكثير من السودانيين صراعا من أجل البقاء، فهي بلاد موبوءة بالملاريا والتدرن وغير ذلك من الأمراض. حيث لا يعد تفشي الإلتهاب السحائي أو الكوليرا من آن لأخر أمراً غير عادي. لذلك فإن وجود الأدوية التي تكون في متناول الناس ضرورة قصوى. وفوق ذلك فهي بلد ذات أرض زراعية تعاني من نقص مزمن في المياه التي يمكن نقلها ومعدل هائل في الوفيات والصناعة القليلة والديون التي تثقل كاهلها، يهلكها الإيدز وتنهكها حرب داخلية مدمرة لا تنتهي كما أنها ترزح تحت نير العقوبات القاسية. وتُرجّح التقديرات أنه في خلال عام مات عشرات الآلاف نتيجة تدمير المرافق الكبرى التي تنتج العقاقير رخيصة الثمن والأدوية البيطرية. ولا يكشف هذا إلّا عن ما يبدو على السطح ، إذ أن منظمة مراقبة حقوق الإنسان قالت: إنه كنتيجة مباشرة للقصف “رحّلت جميع وكالات الأمم المتحدة الموجودة في الخرطوم العاملين الأمريكيين ، كما فعلت الكثير من منظمات الإغاثة ” بحيث “عُطّلتْ الكثير من جهود الإغاثة لأجل غير مسمى، بما في ذلك منظمة حيوية تديرها لجنة الإغاثة الدولية ومقرها الولايات المتحدة حيث يموت خمسون من الجنوبيين يومياً “. هذه “أقاليم في جنوب السودان حيث تقدر الأمم المتحدة أن 2,4 مليون من البشر معرضون للموت جوعاً “، وقد يتسبب “انقطاع المساعدة للسكان المحطمين في نشوء “كارثة فظيعة” بل أكثر من ذلك ، يبدو أن القصف الذي قامت به أمريكا حطّم الحركة التي تنمو ببطء والهادفة إلى إيجاد حل وسط بين طرفي الحرب في السودان، كما أن القصف وضع حدا للخطوات المبشرة نحو عقد اتفاقية سلام لإنهاء الحرب الأهلية التي خلفت 1,5 مليون قتيل منذ عام 1981، وكان من الممكن أن تؤدي إلى السلام في أوغندا وحوض النيل بأكمله”. يبدو أن الهجوم قد حطم فرصة إنهاء الدعم للإرهاب والإقلال من نفوذ الإسلاميين المتطرفين.ه

على حد ما تمخض عنه هذا القصف ، يمكننا مقارنة الجريمة التي وقعت في السودان باغتيال لومومبا ذلك الإغتيال الذي ساعد على إغراق الكونغو في عقود من المذابح التي ما تزال جارية ، أو قلب الحكومة الديمقراطية في غواتيمالا عام 1954 الذي أدى إلى أربعين عاما من الفظائع الوحشية .. وغير ذلك الكثير. ه

قال د. إدريس الطيب رئيس مجلس إدارة الشفاء “هذه الجريمة عمل إرهابي تماما مثله مثل ما حدث للبرجين والفرق الوحيد هو أننا نعرف من الذي ارتكبها.. قصف السودان كان أشد سوءا”. (تشومسكي : الدولة الفاشلة ، الهيمنة أم البقاء ، طموحات إمبريالية، 11/9).ه

ه# الكيان الصهيوني “الديمقراطي” شارك في جريمة قصف المعمل: ه
قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن مصادر (إسرائيل) أبلغت العديد من الصحف الألمانية والبريطانية، أن جهاز الاستخبارات الخارجية «الموساد»، ساعد وتعاون مع وكالة المخابرات الأمريكية  CIA في تحديد أهداف الغارة الأمريكية التي دمّرت مصنع الدواء في العاصمة السودانية.ه

وأرسل «بنيامين ناتنياهو» برقية تهنئة إلى الرئيس كلينتون، بعد لحظات من تدمير مصنع الشفاء.ه

قالت أجهزة المخابرات الأمريكية أنها حصلت على أدلة مادية من خارج منشأة مصنع الشفاء في السودان دعمت المخاوف طويلة الأمد بشأن دوره المحتمل في جهود تصنيع الأسلحة الكيميائية السودانية التي يمكن أن يستغلها تنظيم القاعدة.ه

ه# ثم ظهر أن الأدلة كاذبة .. ولم تعتذر الولايات المتحدة:ه
ومع ذلك،اعترف مسؤلون في وقت لاحق أن “الأدلة التي دفعت الرئيس كلينتون أن يأمر بقصف مصنع الشفاء لم تكن موثوقًا بها كما تم تصويرها في البداية”، وفي الواقع، قال مسؤلون في وقت لاحق أنه لا يوجد أي دليل أن المصنع قام بتصنيع أو تخزين غاز الأعصاب، كما كان يشتبه الأمريكيون في البداية ، ولا كان له علاقة بأسامة بن لادن. وكتب المركز الأمريكي للاستخبارات والبحوث تقريرا عام 1999 يشكك في الهجوم على المصنع مما يشير إلى أن معلومات وجود صلة بينه وبين بن لادن لم تكن دقيقة. وقالت مساعدة وزيرة الخارجية “فيليس أوكلي” أن دليل وكالة المخابرات المركزية الذي تم على أساسه الهجوم لم يكن كافيًا.ه

وصرح مدير مصنع الشفاء للصناعات الدوائية، الذي ينتقد الحكومة السودانية، للصحفيين مؤخرًا “كنت أملك جردًا بكل المواد الكيميائية وسجلات تاريخ كل موظف. ولم تكن هناك تلك المواد الكيميائية المسماة [غاز الأعصاب] تصنع هنا.ه
 وقد دعت السودان الولايات المتحدة لإجراء اختبارات كيميائية في الموقع للحصول على أدلة لدعم زعمها أن المصنع هو مصنع للأسلحة الكيميائية، لكن رفضت الولايات المتحدة الدعوة للتحقيق. ومع ذلك رفضت الولايات المتحدة الاعتذار رسميًا عن الهجمات.ه

ه# منطق أمريكا الإرهابي يفرض على السودان الضحية دفع التعويضات!! ه
والآن، وبعد أن اتضحت جريمة أمريكا الكبرى، أليس من المفروض على الدولة المعتدية (الولايات المتحدة) أن تعتذر من الدولة المُعتدى عليها (السودان) وتعوّض ضحاياها وخسائرها المادية ؟

لم يحصل هذا كالعادة، والأغرب أن هذه الدولة السافلة قامت بلعبة لا يمكن تصوّرها حين أجبرت حكومة السودان على دفع التعويضات، ولنتابع تسلسل حوادث هذه اللعبة:ه

اولآ:ه
رفض الرئيس السابق بيل كلينتون أن يعتذر عن الاعتداء وقصف المصنع السوداني، ورفضوا ايضآ كل الرؤساء الاميريكان الذين جاءوا بعده. تقديم هذا الإعتذار.ه

ثانيآ:ه
تقدمت حكومة الخرطوم بمذكرة للحكومة الاميريكية تطالب فيها بتعويضات قدرها 50 مليون دولار عن تدمير الجيش الأميركي مصنع الشفاء للأدوية في السودان في عام 1998، وتم عرض المذكرة علي محكمة الاستئناف الاتحادية في اغسطس 2004، إلّا ان قضاة المحكمة رفضوا النظر في الطلب علي اعتبار ان القضية تمثل مسألة سياسية تتعلق بأمر أصدره رئيس الولايات المتحدة آنذاك بيل كلينتون يُخَوِل الجيش شن الضربات الصاروخية وانه بمقتضى الدستور الأمريكي لا يمكن مراجعته من قبل الهيئة القضائية.ه

ثالثــآ:ه
طلبت الحكومة الاميريكية من حكومة الخرطوم كأمر نهائي غير قابل للنقاش عدم ازعاجها بموضوع تعويضات المصنع المُدمّر أمريكيآ.ه
رابعـآ:ه
قامت عائلات، البحارة الأميركيين الذين قُتلوا في الاعتداء الذي تعرضت له المدمرة الأميركية (كول) في السواحل اليمنية عام 2000، برفع قضية ضد الحكومة السودانية للمطالبة بمزيد من التعويضات، بعد أن أتاح قانون جديد في الكونغرس، الفرصة أمامها للحصول على تعويضات جديدة.ه

خامـساً:ه
وكانت المدمرة الأميركية كول قد فُجرت عام 2000 عند خليج عدن قبالة اليمن، وأسفر التفجير عن مقتل 17 بحارا أميركيا. واعتبر قاضي المحكمة الفيدرالية الأميركية وقتها أن المجموعة، التي قامت بتدمير المدمرة كول وتنتمي إلى تنظيم القاعدة، تلقت مساعدات لوجيستية من السودان ولولاها لما تمت العملية.ه

سادساً : ه
——–لكن، كانت العائلات طلبت تعويضات تزيد عن مائة مليون دولار. وفي حملة علاقات عامة منظمة ومنسقة، وصلت العائلات إلى الكونغرس وأقنعته بإصدار قانون في سنة 2008، اسمه «قانون ضحايا إرهاب تؤيده حكومات».ه

سابعاً:ه
ونص القانون، الذي وقع عليه الرئيس السابق بوش الابن، على السماح للعائلات، وغيرها، بالمطالبة بتعويضات عقابية بسبب ما لحق بهم من أذى ومعاناة نفسية. وألغى القانون الجديد قانونا قديما كان يمنع مثل هذا النوع من التعويضات عن المعاناة النفسية. غير أن القانون الجديد استثنى العراق، وذلك خوفا من رفع قضايا ضد القوات الأميركية هناك. بناء على القانون الجديد، عادت القضية إلى محكمة “نورفولك” التي أعلنت أنها ستعيد النظر في موضوع التعويضات عن المعاناة النفسية. وطلبت من حكومة السودان تقديم رأيها في الموضوع. وفي الخرطوم اعتبر مصدر رفيع في الحكومة السودانية في تصريح لـ «الشرق الأوسط» أن قيام أسر ضحايا المدمرة الأميركية كول، برفع دعوى جديدة للحصول على تعويضات من الحكومة السودانية «تكريس للظلم الأميركي في العالم.. ونوع من التحايل والسرقة». وقال المصدر الحكومي إن الدعوى الجديدة ضد السودان بخصوص حادثة المدمرة كول جزء من أعمال تكريس الظلم في العالم من قبل الولايات المتحدة. وأضاف أن حادثة المدمرة كول لم تقع في السودان ولم تتم بأيدٍ سودانية “وليس للسودان صلة به من قريب أو بعيد”.ه

ثامناً :ه
رضخت الحكومة السودانية للمطالب الاميريكية وقامت مُرغمة بدفع التعويضات بالكامل لأسر ضحايا المدمرة (كول). (صحيفة الراكوبة الإلكترونية). ه

ه# سبب سرّي لتدمير معمل الشفاء مُرتبط بالإرهابي رامسفيلد:ه
تمّ تدمير (مصنع الشفاء) للأدوية في السودان سنة 1998 بغارات صاروخية أمر بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بدعوى تصنيعه لأسلحة دمار شامل! بعد مرور الوقت اكتشف الكل – كما قلنا – أنها كانت كذبه لتبرير القضاء على أكبر  مصنع للأدوية في إفريقيا كان بإمكانه تخفيف المعاناة على القارة الفقيرة السمراء، وكسر احتكار الشركات الأمريكية لصناعة الأدوية… هل انتهت القصة؟
ليس يعد. هناك شخصية تجاهلتها وسائل الإعلام تقربنا أكثر من الدوافع الحقيقية للجريمة؛ إنه “الجمهوري” دونالد رامسفيلد صاحب فضيحة  مركز التسميم الإعلامي (أو أي آي) تصادف وجود هذا الأخير إلى جانب “الديموقراطي” كلينتون، وبعد غيابه لسنين عن الممارسة السياسية أوكل إليه رئاسة لجنة مكلفة بدراسة مشروع للدفاعات الصاروخية، بالإضافة إلى مهمة إدارة لجنة في الكونغرس تلاحق “الدول المارقة” فوقع الاختيار على السودان.ه
لكن لماذا السودان؟
قبل أن يصل رامسفيلد لمنصبه الجديد بسنة واحدة فقط ترأس شركة “جلعاد ساينسز” التي صنفتها مجلة “فوربز” كأكبر إمبراطوريات صناعة  الأدوية في العالم، وكأكثر الشركات نماءا بحسب مجلة فورتشن. دُمّر مصنع الأدوية السوداني، وبقي رامسفيلد على رأس مافيا الأدوية إلى أن ترك رئاسة جلعاد سنة2001  ليستمر في مهامه الجديدة لدى مافيا السلاح. (منتديات شباب ليبيا). ه

ه# ملاحظة عن هذه الحلقات :ه
هذه الحلقات تحمل بعض الآراء والتحليلات الشخصية ، لكن أغلب ما فيها من معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية مُعدّ ومُقتبس ومُلخّص عن عشرات المصادر من مواقع إنترنت ومقالات ودراسات وموسوعات وصحف وكتب خصوصاً الكتب التالية: ثلاثة عشر كتاباً للمفكّر نعوم تشومسكي هي: (الربح فوق الشعب، الغزو مستمر 501، طموحات امبريالية، الهيمنة أو البقاء، ماذا يريد العم سام؟، النظام الدولي الجديد والقديم، السيطرة على الإعلام، الدول المارقة، الدول الفاشلة، ردع الديمقراطية، أشياء لن تسمع عنها ابداً،11/9، القوة والإرهاب – جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية)، كتاب أمريكا المُستبدة لمايكل موردانت، كتابا جان بركنس: التاريخ السري للامبراطورية الأمريكية ويوميات سفّاح اقتصادي، أمريكا والعالم د. رأفت الشيخ، تاريخ الولايات المتحدة د. محمود النيرب، كتب: الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط، وحفّارو القبور، والأصوليات المعاصرة لروجيه غارودي، نهب الفقراء جون ميدلي، حكّام العالم الجُدُد لجون بيلجر، كتب: أمريكا والإبادات الجماعية ، أمريكا والإبادات الجنسية، أمريكا والإبادات الثقافية، وتلمود العم سام لمنير العكش، كتابا  التعتيم، و الاعتراض على الحكام لآمي جودمان وديفيد جودمان، كتابا: الإنسان والفلسفة المادية، والفردوس الأرضي د. عبد الوهاب المسيري، كتاب: من الذي دفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية لفرانسيس ستونور سوندرز، وكتاب (الدولة المارقة: دليل إلى الدولة العظمى الوحيدة في العالم) تأليف ويليام بلوم .. وغيرها الكثير.ه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: