الموقف في سوريا ولبنان وواجباتنا

إعداد: عبد العزيز السعودي… 7 مارس 2006  يعاد نشره بمناسبة الأوضاع السورية الراهنة

تتحرك آلة الإمبريالية الأمريكية والفرنسية تجاه سوريا ولبنان في مشهد يُعيد أجواء ما قبل غزو العراق واحتلاله. فمن جهة تتماثل بصورة إجمالية الخطط والآليات المتبعة ضد البلدين مع خطط وآليات تحضير الهجوم الحاسم علي العراق، ومن جهة أخرى تتكرر نفس التوجهات والمواقف وردود الأفعال التي سادت مجتمعاتنا العربية قبل وأثناء وبعد احتلال العراق على كل الأصعدة: أنظمة الحكم، وحركات المعارضة السياسية ومواقف المثقفين، والموقف الشعبي وهو ما سندلل عليه لاحقاً.ه

لماذا سوريا ولبنان – بعد العراق – في المخطط الأمريكي؟

دخل المشروع الاستعماري في بلادنا العربية مرحلة جديدة، جسدها الاحتلال الأمريكي للعراق واتخاذه مرتكزاً “لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة”، كما أعلن القادة الأمريكيون ذلك بوضوح. وقد عبر المشروع الأمريكي المعروف بـ “الشرق الأوسط الكبير – الأوسع”([1]) والتوافق حوله من قبل الدول الاستعمارية الكبرى وحلف الأطلنطي عن أهم آليات التنفيذ السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية لتفكيك الدول العربية، وإعادة تركيبها في خريطة جديدة تؤسس لحكم استعماري مباشر بقناع نشر الديمقراطية بدلاً من الحكم غير المباشر الذي فُرض عليها بعد حصولها علي استقلالها السياسي. ه

ويعتمد هذا المشروع في إعادة هيكلة المجتمعات العربية وتكيفها الشامل لمقتضياته وأهدافه علي الإخضاع العسكري بالاحتلال المباشر أو التهديد به، وهذا ما يعنيه- بصورة قاطعة – مصادقة حلف الأطلنطي، الجناح العسكري للإمبريالية العالمية في قمته باسطنبول يونيو 2004 علي عملية ما يسمي “بالإصلاح السياسي بالمنطقة”. كما يعتمد – كشرط أساسي لهذا الإخضاع – علي إشاعة روح الانهزامية بين شعوب المنطقة والتسليم بالمصير المحتوم والقبول بالخضوع لآلة الحرب الأمريكية والأطلسية الغاشمة وللشروط التي تسبق تحركها. لذلك تعلو مهمة ضرب وتصفية كل مقاومة وطنية عربية – خاصة المسلحة منها- مسرح السياسة الأمريكية الاستعمارية الجارية، لما تمثله تلك المقاومات من إعاقات أساسية لنفاذ واستقرار هذا المشروع، ويصبح إخضاع دول الممانعة العربية له عملية لازمة – تمهيدية وموازية أو لاحقة – لتلك المهمة. ه

هذا ما فهمناه، وما نتمنى أن يفهمه كل الديمقراطيين الوطنيين، من تهديدات مجرمي الحرب الأمريكيين لسوريا فور سقوط بغداد، ووضعها في مرمي النيران الأمريكية للوثوب عليها وإخضاعها. فحدود تنازلات النظام السوري للعدو الأمريكي الصهيوني، رغم فداحتها، كفت عن أن تلبي و/أو تتلاءم مع المتطلبات الجديدة للمشروع الأمريكي. فسوريا لا تزال ترفض وجوداً عسكرياً أمريكياً علي أرضها. وهي لا تزال خارج ما يسمي “الحوار الأطلنطي – المتوسطي” الذي يديره حلف الأطلنطي ويضم إلي جانب أعضائه، الكيان الصهيوني ومصر والأردن وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، ويضطلع برنامجه “بتعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين أعضائه”……… ضد من؟! كما أُدمج الحوار الأطلنطي – المتوسطي هذا كمؤسسة ضمن مؤسسات “مشروع الشرق الأوسط الكبير” المنوط بها إدارة شئون المنظمة باسم “مبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقية”. فضلا عن ذلك – ورغم سلبية النظام السوري التامة أمام الاحتلال الصهيوني للجولان – فإن سوريا لا تزال ترفض التنازل عن أراضيها أو عن سيادتها عليها، كما ساندت – ولا تزال – المقاومة اللبنانية التي حررت أغلب الجنوب اللبناني، وتستضيف عدداً من مقار ومكاتب منظمات المقاومة الفلسطينية. ه

وعلى صعيد آخر، بات إخضاع سوريا يمثل مخرجاً آنياً ملحاً للتعثر الذي يشهده المشروع الأمريكي في نقطة انطلاقه المركزية في العراق. فقد عصيت الحدود العراقية السورية علي أن تكون الممر الممكن لقوات الاحتلال الأمريكي لتطوير عدوانها في اتجاه سوريا، فضلا عن فشل تأمين الاحتلال داخل العراق ذاته. فالصعود السريع للمقاومة العراقية المسلحة نجح في تشكيل متراساً منيعاً حال دون العبور المنشود إلى سوريا، كما نجح في إسقاط صيغة حكم”جاردنر” العسكري فحكم “بريمر” المدني في العراق. وأمام تنامي قدرات المقاومة علي تحريك وتطوير نزعات الرفض لاستمرار الحرب في العراق داخل الشارع الأمريكي وغيره بدول التحالف الاستعماري في العراق- وذلك بثباتها وتطورها وإلحاقها خسائر جسيمة متواصلة ومؤثرة بجيش الاحتلال وعملائه([2])- لجأت أمريكا إلى خطة: خطوة إلى الخلف خطوات إلى الأمام، وقدمت تمثيلية “مهمة تسليم السلطة للعراقيين” والتي تدير من خلالها أزمة استقرار سيطرتها علي العراق. الهدف واضح بل ومعلن وهو : إضفاء “الشرعية” علي إدامة الاحتلال عبر طلب “حكومة عراقية” منصّبة في ظلاله ببقاء قواته، وعلي استغلال ونهب ثروات العراق،و علي إدارة حاضره ومستقبله إدارة مباشرة، وصرف الشعب العراقي عن الالتفاف حول المقاومة الوطنية العراقية، الأسلوب الوحيد القادر علي تحرير العراق ومنع تقسيمه واستعادة وبناء مقومات استقلاله الوطني. ه

ولذلك يمثل التقدم في هذه المهمة وإنجاحها- في منظور أمريكا – بديلاً لهزيمتها في العراق، وتقهقراً لمشروعها في المنطقة، وهو ما يتطلب،علاوة علي إضعاف وحدة الشعب العراقي والتفافه حول المقاومة العراقية، محاولة تصفية أو إضعاف كل مقاومة وطنية عربية كما ذكرنا سابقاً. ه

في هذا السياق يأتي التحرك الأمريكي لفتح جبهة سوريا وتشديد الهجوم عليها انطلاقاً من لبنان، لبنان المقاومة من جانب ولبنان الرخوة من الجانب الآخر. ففي ثنائية الواقع السياسي اللبناني هذه يقع تفسير الاهتمام الأمريكي الاستعماري بالسيطرة علي هذه الدولة الصغيرة؛ للإجهاز علي الجانب المقاوم واستغلال المنطقة الرخوة في ذلك وفي ضرب الحصار علي سوريا والعبور ” السلمي” إليها- أو العسكري إذا لزم الأمر- وإخضاعها كضرورة لإنجاح واستكمال مخططها بالمنطقة.. ه

فالمقاومة اللبنانية المسلحة التي عطلت خطة الاستفراد بلبنان وقضمه في أكثر مشاريع التسوية الاستعمارية إجحافاً بالمنطقة، والتي حررت أغلب الجنوب اللبناني، سطرت بالفعل في واقع الصراع العربي- الأمريكي الصهيوني نهجاً عربياً شعبياً – طال حجبه- لتحرير الأرض والإرادة، هو نهج حرب التحرير الشعبية وقدرتها علي تحقيق انتصار الشعوب المضطهدة وهزيمة عدوها الغاشم المتفوق صناعياً والمدمج بأحدث تقنيات الحرب. هذا النهج قادر بالضرورة علي أن يكوّن مع المقاومة والانتفاضة الفلسطينية والمقاومة العراقية السياسية والعسكرية بؤرة تستقطب- ولو تدريجياً – قدرات المقاومة العربية المشتتة والمبعثرة حالياً والوارد صعودها رداً علي العدوانية الأمريكية الصهيونية الشرسة على كل الجبهات. ه

وبالنسبة لسورياً، فقد اعتمدت في مقاومة الضغوط التي تمارس عليها لقبول التسوية الأمريكية الصهيونية الاستسلامية لقضية الجولان المحتلة وقبول التطبيع مع الكيان الصهيوني علي تحالفها مع المقاومة اللبنانية ومع الحكم اللبناني، وعلى وجود قوات عسكرية لها في البقاع اللبناني والذي تم في إطار توافق لبناني وعربي ودولي.([3])

لذلك فتصفية المقاومة اللبنانية وإطفاء وهجها، وسحب نقاط القوة من سوريا، أصبحا يمثلان خطوات “خطة الطريق” الأمريكية والاستعمارية العالمية لضرب الحصار علي سوريا من لبنان واستكمال حصارها الراهن من الشرق بالعراق المحتل والشمال بتركيا والجنوب بالاحتلال الصهيوني، وجعل لبنان ساحة مستباحة للعدو الصهيوني وللتحالف الأمريكي الفرنسي الأطلسي. ه

هكذا فقط يمكننا قراءة قرار مجلس الآمن رقم 1559 الصادر في سبتمبر 2004، وفهم أسباب صدوره ومضمون نصه الذي يدعو إلى خروج القوات السورية من لبنان،ونزع سلاح المقاومة اللبنانية وسلاح اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، ونشر الجيش اللبناني علي خط الحدود مع العدو الصهيوني. ه

لقد انشأ هذا القرار قاعدة عمل التحالف الاستعماري ضد سوريا كما شكل مبرر وصايته علي لبنان انطلاقا من واستثماراً للمنطقة اللبنانية الرخوة المتمثلة- بالأساس- في الدولة الطائفية التي شكل نظامها منذ العهد الاستعماري القديم في بلاد الشام، وفي إفرازات هذا النظام من تخندق أغلب قواه السياسية على أساس التقسيمات الطائفية – العرقية وارتباطها بقوي دولية حمايةً أو استمداداً لنفوذ سياسي مؤثر عوضاً عن نفوذها السياسي المحدود أو المهمش أو المفقود في نظام ” الفسيفساء ” الطائفية اللبنانية. ه

وكما كان تفجير الحرب الأهلية اللبنانية الطائفية عام 1975م هو الرد الاستعماري الرجعي العربي علي تصاعد المد الوطني التحرري الذي قادته الحركة الوطنية اللبنانية الفلسطينية المشتركة في لبنان ضد الكيان الصهيوني، فإن تحريك القوي الطائفية اللبنانية المرتبطة بالتحالف الأمريكي – الفرنسي للقيام بالتحريض الطائفي وإشعال الفتنة، بل والدفع باتجاه تجدد الحرب الأهلية، يظل خياراً لهذا التحالف لإضعاف وتصفية المقاومة اللبنانية التي عجزت القوات الصهيونية العسكرية عن تصفيتها و لتشديد الحصار على سوريا. ه

لقد كشف واقع لبنان السياسي بعد صدور القرار المشئوم 1559 عن قوي لبنانية مرتبطة بقوى دولية استعمارية كانت “نائمة” وتحينت الفرصة التي انطلقت من طرح أجندة التحالف الاستعماري لتعمل معه جنباً إلى جنب. رحبت بعض رموز تلك القوي بهذا القرار وصمتت أخرى مؤقتاً، ومن سبتمبر 2004(تاريخ صدور قرار 1559) وحتى ليلة 14 فبراير 2005 (تاريخ اغتيال الحريري) فشلت تلك القوي في جذب جماهير الشعب اللبناني ورائها، في سعيها لتطبيقه بدءاً بخروج القوات السورية من لبنان.و كان عليها – علي ما يبدو- أن تنتظر وقوع حادثة تثير قدراً كبيراً من الشكوك والالتباس مثل حادثة “اغتيال الحريري” لتطلق الغضب والانفعال المصبوغ بالصيغة الطائفية، المتأثر بفكر المخطط التفكيكي الموجه للبنان وكل الدول العربية، المسبوق والمصاحب بمطالبة بعض الزعماء الطائفيين الفجة بالتدخل الأجنبي وفرض الوصاية الدولية علي لبنان(!). لقد تلقفت آلة الإعلام الاستعمارية المهيمنة، ُتعاونها القوي اللبنانية المتحالفة معها والعاملة داخل لبنان، خبر الاغتيال وألصقته بعد مرور بضع دقائق من وقوعه بالنظام السوري والحكم اللبناني، رغم أنهما أكثر المتضررين سياسياً من قتله في الظروف التي حدث أثنائها، ودون مجرد الإشارة لأطراف أخرى استفادت وحدها من تفجير الوضع في لبنان في وجه شقيقته وحليفته سورياً. ه

كما شهد واقع ما بعد خروج القوات السورية من لبنان امتزاجا أكبر في الأدوار بين التحالف الاستعماري الأمريكي – الفرنسي – والقوي اللبنانية المتحالفة معه. إذ نجح التحالف الاستعماري في ” تدويل ” شئون لبنان واستباحة ساحاته، بذريعة مقتل الحريري وفي محاولة منه لحث الخطي لتطبيق بقية بنود قرار 1559. وتوالي صدور قرارات أخرى لمجلس الآمن ( أرقام 1595، 1636، 1644) اختصت بإنشاء لجنة “دولية” للتحقيق (مع النظام السوري وحده وحلفائه !) وتقييم التزام سوريا وإلزامها بالتعاون الكامل مع تلك اللجنة وإشهار البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة في وجهها. واضطلع زعماء القوي اللبنانية المطالبة بفرض الوصاية “الدولية” علي لبنان – من جانبهم – بإفشال أي محاولة لبنانية أو سورية أو عربية تحاول إعادة تأسيس العلاقات السورية – اللبنانية علي أساس مصلحة الشعبين والبلدين ووحدتهما وصيانتهما ضد التدخلات والتهديدات الاستعمارية.ه

تصعيد الهجوم الاستعماري ضد سوريا

تمترست القوي اللبنانية المؤيدة للتدخل الأجنبي في تحالف ” 14 آذار “([4] )وتناغمت تحركاتها التصعيدية مع خطة التحالف الأمريكي- الفرنسي النشطة علي المحورين السوري واللبناني الرامية لتحقيق هدفين مترابطين هما: ه

أولاً: الوثوب علي سوريا وإخضاعها

بلغ التصعيد الاستعماري ضد سوريا حد محاولة دفع الرئيس السوري إلى قفص الاتهام بقتل الحريري، وطلبه – مع آخرين من رموز النظام – للمثول أمام لجنة التحقيق التي شكلت بقرار مجلس الآمن رقم 1595، ورداً علي ترنح تقرير “ميليس” وافتقاده المصداقية والنزاهة بعد تغيير شهود رئيسين – اعتمد عليهم التقرير – لشهادتهم، استطاع التحالف الأمريكي الفرنسي أن يطور هجومه ويقتنص أداة جديدة لا تدعم مخططه بتركيع سوريا عبر استكماله مسرحية الاغتيال واتهام رأس النظام السوري فحسب، بل وتدفع أيضاً في اتجاه تصنيع زمرة بديلة للحكم، موالية له وبرائحة طائفية، بقناع نشر الديمقراطية في سوريا. ه

هكذا وجد هذا التحالف ضالته في انشقاق”عبد الحليم خدام”، فاعتمد علي تصريحاته ضد النظام السوري وعلي مركزه كنائب سابق للرئيس لاستخدامه كشاهد ملك يعيد الحياة المفقودة للجنة التحقيق وعملها. وفي ظل إلحاح أمريكي، سارعت اللجنة بطلب استجواب الرئيس السوري ووزير خارجيته إضافة لمسئولين كبار آخرين، واضعةً بذلك مبدأ السيادة الوطنية للدولة السورية في الصف الأمامي للمواجهة. ه

بدايةً، ليس في القانون الدولي العام ما يجيز لهيئات الأمم المتحدة المعنية إصدار قراراً بإنشاء لجنة تحقيق “دولية” في حادثة اغتيال مسئول حالي أو سابق لدولة هو أحد رعاياها، كما لم تشهد تطبيقاته من قبل مثل هذه السابقة. ه

لقد شهدت كل العهود- منذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة وحتى الآن – حوادث اغتيال هي الأضخم خضعت تحقيقاتها ومحاكماتها لسيادة دولها دون تدخل مجلس الأمن، ففي لبنان ذاتها اغتيل الرئيسيان “الجميل” و”معوض” ورئيس وزرائها “رشيد كرامي”، كما اغتيل “أنور السادات” الرئيس المصري، ورئيس الوزراء الهندي “راجيف غاندي”، ورئيس الوزراء السويدي،ورئيس وزراء الكيان الصهيوني “اسحق رابين”، انتهاءً باغتيال القائد الفلسطيني “عرفات” والشكوك القوية في اغتيال نائب الرئيس السوداني “جون قرنق” وغيرهم الكثير. وبينما أجاز القانون الدولي إحالة القضايا التي تمثل في عرفه جرائم جماعية ضد الإنسانية إلى التحقيق والمحاكمة الدولية. إلا انه في الواقع العملي لم يحال إلى هذه المحاكمة إلا الأشخاص الذين رأت أمريكا وحليفاتها الاستعمارية محاكمتهم، بل تنتهك أمريكا أبسط قواعد القانون الدولي، وتستخدم في ذلك من بين وسائل أخرى، إذا لزم الأمر، حق الفيتو، كما حدث عندما استخدمت حق النقض”الفيتو” في مجلس الأمن لإبطال محاولة إصدار قرار بتشكيل لجنة تحقيق دولية في مذبحة “قانا” التي قصف فيها الكيان الصهيوني أحد مقار الأمر المتحدة بطائراته وقاذفاته علي مسمع ومرأى من العالم، بذريعة أن المعتدي، الكيان الصهيوني، شكل من جانبه لجنة لتقصي حقائق المذبحة. ه

يكشف تصريح “كوندوليزا رايس” الذي كررت إطلاقه عقب صدور أكثر من قرار وبيان رئاسي من مجلس الآمن كان يشدد علي ضرورة التزام سوريا بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق وهو “هذه رسالة موجهة إلى سوريا كي تغير سلوكها في المنطقة” – يكشف هذا التصريح بفجاجه تحسد عليها الآنسة كوندوليزا عن المغزى الحقيقي لاستخدام آلية التحقيق الدولي في مقتل الحريري واتهام رأس النظام السوري. فالمستهدف- بنص التصريح – ليس كشف الحقيقة في اغتيال الحريري أو غيره، بل الضغط لتغيير سلوك سوريا في المنطقة، أي خضوع سوريا وقبولها الصيغة الأمريكية الصهيونية “لتسوية” قضية الجولان، وقبول التطبيع مع الكيان الصهيوني، وقبول نزع سلاح المقاومة اللبنانية، والتعاون الكامل مع الاحتلال الأمريكي في العراق ومشاريعه، والانصياع لكل استحقاقات مشروع الشرق الأوسط الكبير. وكما استخدم الاستعماريون، ولا يزالون، لجان التفتيش”الدولية” ولجان تقصي الحقائق “الدولية” كأدوات لفض سيادة دول المنطقة المطلوب إخضاعها والتدخل المباشر في شئونها وإعادة هيكلتها وتنصيب حكوماتها، يسعون الآن، عبر مطالب لجنة تحقيقهم “الدولية” المشبوهة، إلى وضع سوريا ونظامها أمام اختيارين: ه

ه* الاستجابة للمطالب الأمريكية الصهيونية السابق ذكرها، فيصبح النظام السوري الراهن هو ذاته النظام “الديمقراطي” المرحب به أمريكياً. وعندئذ قد تقيد حادثة الاغتيال ضد مجهول، أو يمكن اتهام وتسليم موظفين سوريين صغار أو الوصول لصيغه التعويضات… (خيار ليبيا). ه

ه* أو رفض الخضوع واستمرار تمسكه بالسقوف المنخفضة لتنازلاته، فيتواصل تصعيد مسلسل الإطاحة بالنظام بدءاً باتهام رئيسه وأقطابه بالقتل والإرهاب، وتعميم شعار عدم جواز استمراره في الحكم، مروراً بتدويل “الشأن” السوري وتكثيف التدخل الأجنبي، وتمكين مرتكزاتهم السياسية العاملة داخل وخارج سورياً ولبنان وبقية الدول العربية من خلخلة المجتمع السوري عبر الالتحاف بثوب الديمقراطية الأمريكية المؤسسة علي التخندق الطائفي والعرقي، وعبر إضعاف الروح المعنوية للشعب السوري والنيل من إمكانياته في تنظيم مقاومته ضد المشروع الاستعماري، وانتهاء بوضع سوريا و المنطقة في مناخ “حافة الحرب”- بغطاء أو بدون غطاء دولي- المهيأ لإطلاق مبادرات “العقلاء” من السوريين أو العرب التي تناشد الرئيس السوري بالخروج من سوريا إنقاذا لبلاده من ويلات الحصار والعقوبات ومن جحيم الحرب والتدمير (خيار صدام حسين)، وصولاً إلى تنصيب نظام حكم بديل يحول الدولة السورية إلى “إدارة ذاتية” داخل “منطقة الشرق الأوسط الكبير”. ه

في إطار هذا المخطط يقع دور عبد الحليم خدام وتحركات بعض قوي المعارضة السورية المشبوهة، وهو ما ينطبق عليه القول بأن: الفأر لا يمكنه – لكونه فأراً – إلا أن يرى فقط قطعة الجبن الموضوعة داخل المصيدة لاصطياده. بهذا فقط يمكن فهم مغزى التوقيت الذي تقدم أو قُدم فيه “خدام” وهدفه الرامي إلى خلق النواة التي تتبلور حولها قوي المارينيز السورية اللازمة لتهيئة الهجوم الاستعماري والطامحة في “إدارة” سوريا بعد إخضاعها، بغض النظر عن استمرار خدام في دوره من عدمه. ه

كما يمكن أيضاً فهم مغزى تحركات جماعة “الأخوان المسلمون السورية” والتي بادرت فور ظهور “خدام” علي الساحة كمنشق علي النظام السوري بلقائه في لندن، وفقا لما أوردته المحطات الإخبارية، وبالإعلان عن استعدادها للعمل معه لتغيير النظام بشرط قيامه بالاعتذار عن أخطاء الماضي، كما أعربت عن أملها في “أن يشجع انشقاق خدام آخرين في النظام علي فعل الشيء نفسه سواء أكانوا علويين أم من السنة” (أليس من حقنا أن نضع علامة استفهام كبيرة علي تلك النغمة الطائفية الغربية علي المجتمع السوري، في هذا المناخ، علي لسان ممثل الجماعة المذكورة؟!). ه

إن توهم جماعة “الإخوان” وغيرها من قوي معارضة سورية لجدوى التحرك السياسي في كنف المخطط الأمريكي، واستمرار توهم وجود ما يسمى بتقاطع المصالح الذي يمثله رغبة الطرفين في إسقاط نظام الحكم في سوريا لهو أمر عجيب بل لعله أمر مثير للريبة. فبعد تجربة المعارضة العراقية([5]) التي وظفت قواها في مطابخ عواصم العدوان علي العراق بحجة تقاطع مصالحها مع العدو في إسقاط النظام الديكتاتوري العراقي، فغاصت في أوحال مخطط سيدها الاستعماري المبيت مسبقاً لتدمير مقومات الدولة العراقية وتكفيك المجتمع العراقي وتقسيمه وإعادة تأهيله ليصبح مستعمرة أمريكية تحتذي نموذجه بقية البلدان العربية (!)، وبعد سقوط أقنعة الإمبريالية خاصة الأمريكية التي ارتدتها في عدوانها علي شعوب المنطقة والمتمثلة في نشر الحرية والديمقراطية وإسقاط الديكتاتورية ومحاربة “الإرهاب”،وبعد اكتشاف وجهها العاري الرامي إلى استعمار الدول العربية وحكمها حكماً مباشراً وحجز تطورها بل الوثوب علي ما حققته شعوبها علي قلته ــ بعد كل ذلك يصبح الحديث عن إمكانية التلاقي مع الإمبريالية خيانة، كما تتأكد الحقيقة القديمة المتجددة وهي أن الكفاح من أجل الديمقراطية لمجتمعاتنا ولمصالح جماهير شعبنا هو جزء لا يتجزأ من مشروع مقاومة الإمبريالية والصهيونية. ه

ثانياً: تصفية المقاومة اللبنانية ونزع سلاحها

تعهدت قوي تحالف 14 آذار – الحليف السياسي / الطائفي لقوي التدخل الأجنبي في لبنان وسوريا – بمهمة إضعاف سورياً والمقاومة اللبنانية وخصم نقاط قوتهما معاً في لبنان. وقد ركزت- ولا تزال – قوي هذا التحالف نشاطها اليومي علي زعزعة وإنهاء حالة التوافق الوطني اللبناني الغالب – السياسي والشعبي- التي حظيت بها المقاومة اللبنانية، بما أكدته تلك المقاومة – علي الأرض – من قدرة علي ردع العدو الصهيوني وحماية لبنان من أطماعه في ظل الضعف البنيوي للجيش اللبناني – الطائفي التركيب – وعجزه. ه

وللنجاح في تحقيق هذه المهمة، نشط تحالف 14 آذار، تؤازره المؤسسات الاستعمارية الأمريكية([6])، في ضرب ما رآه الحلقات الداعمة لخط المقاومة بدءاً بالحلقة الأسهل في التنفيذ من بين هذه الحلقات كما يتراءى له ترتيبها وهي: 1- مرابطة القوات السورية في لبنان. 2- التحالف السياسي بين سوريا والحكم اللبناني. 3- الحكم اللبناني (خاصة الرئيس أميل لحود ). 4- شرعية سلاح المقاومة. ه

وقد لعبت قوي 14 آذار الدور المحلي الرئيسي – بالأشراف المباشر لموظفي الخارجية الأمريكية: وولسن ولارسون- في إفساد كل المحاولات السورية واللبنانية والعربية والإقليمية الساعية إلى تهدئة حدة التوتر “المفتعل” بين سوريا ولبنان بعد خروج القوات السورية، وكأنها وجدت في نجاح مثل هذه المحاولات إمكانية لإعادة تأـسيس علاقات البلدين بما يضمن وحدتهما ضد المخطط الراهن والتي هي أداة من أدوات تنفيذه. لهذا دأبت علي التحريض وتأليب اللبنانيين ضد سوريا، فنعتت التواجد السوري في لبنان بالاحتلال وحرصت علي إلصاق تهمة اغتيال الحريري- وغيره ممن اغتيلوا بعده – بسوريا والحكم اللبناني في استباق حتى لنتائج لجنة التحقيق المشبوهة، كما دعا بعض أقطاب هذا التحالف([7]) اللبنانيين إلى المواجهة مع سوريا واعتبار الأخيرة عدو لبنان وشعبه. ه

في تطور آخر، انتقل مركز ثقل عمل واحتشاد قوى”14 آذار” إلى إسقاط ورقة أخرى داعمة لمقاومة سوريا ولبنان لمخطط التدخل الأجنبي فيهما، و هي الرئيس “إميل لحود” بغية الإطاحة به. فالرئيس “لحود” هو الذي أضفى طول حكمه- ولا يزال- شرعية الدولة اللبنانية على وجود المقاومة وسلاحها، باعتبارها جبهة الأنصار الشعبية لتحرير الأرض اللبنانية واستكمال تحريرها، والدفاع عن لبنان لتعويض الضعف الهيكلي للجيش اللبناني الناتج عن طائفية لبنان، فضلا عن أنه قد ساهم في ترسيخ مبدأ وحدة المسارين السوري واللبناني في أي”تسوية” سياسية مع الكيان الصهيوني وهو ما يخفف الضغوط الأمريكية الصهيونية على سوريا ولبنان.ه

ولهذا فقد تزامنت تحركات تلك القوى الخائنة للإطاحة بالرئيس”لحود” أو إجباره على الاستقالة مع تصعيدها التحرش بالمقاومة اللبنانية والاشتباك السياسي معها والتحريض ضدها، بل وإعلان أحد زعماء هذه القوى عن عدم لبنانية مزارع شبعا المحتلة رغم إقرار سوريا رسميا بلبنانيتها كمحاولة لسحب شرعية المقاومة وسلاحها بأي طريقة.ه

كما تزامنت أيضا دعوة زعماء قوى”14 آذار” للتحضير لتصعيد المظاهرات والاعتصام في 14 مارس القادم للإطاحة بالرئيس “لحود” مع زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لبيروت، التي استقبلت من قبلهم بحفاوة شديدة، في الوقت الذي رفضوا فيه استقبال وزير الخارجية الإيراني، ويبدو أن مستوى المهمة الجاري الإعداد لتنفيذها في لبنان فرضت إشراف وزيرة الخارجية الأمريكية بنفسها هذه المرة على وضع لمساتها عليها بدلا من اعتمادها السابق على موظفيها. وكشف تصريحاتها في الزيارة عن تدخلها المباشر وتنسيقها مع أقطاب”14 آذار” لا بخصوص ترتيبات الإطاحة بالرئيس اللبناني فحسب، بل وفى تحديد ملامح الرئيس الجديد، إذ شككت في أن يكون “ميشيل عون” هو الرئيس القادم وإنما سيكون له دور كبير في تحديده. وبات الهدف الرئيسي واضحا من العمل على تنصيب رئيس جديد للبنان وهو سحب غطاء الرئاسة اللبنانية لشرعية المقاومة، وانسجام موقفه مع موقف الحكومة الحالية في مطالبة “المجتمع الدولي” أي الدول الاستعمارية بالتدخل العسكري لنزع سلاحها وتصفيتها واستكمال تنفيذ بنود قرار 1559. ه

الموقف العربي الرسمي من تهديد سوريا ولبنان

يعيد التدخل الاستعماري في سوريا ولبنان إنتاج نفس الأوضاع والمواقف التي سبقت وصاحبت الاحتلال الأمريكي للعراق.ه فقد وافقت الجزائر العضو العربي بمجلس الأمن علي قرار 1559 وعلي القرارات اللاحقة بشأن سوريا ولبنان المنتهكة لأبسط مبادئ سيادة واستقلال البلدين. ولم تجرؤ أيا من الدول العربية علي الاعتراض أو مجرد نقد التدخل العدواني الأمريكي الفرنسي ومجلس الأمن في سوريا ولبنان، ولم تعلن أيا منها عن تضامنها مع سوريا في مواجهة الضغوط الاستعمارية التي تتعرض لها، بل حثتها علي الالتزام التام بقرارات ما يسمي الشرعية الدولية وعلي إبداء التعاون الكامل مع لجنة التحقيق، كما لم تعلن أيا منها دعمها للمبادرة السودانية التي حرصت علي التعامل مع الرئيس اللبناني، بل علي العكس ظهر كما لو كان هناك اتفاقا ضمنيا بين قادتها علي عزل الرئيس لحود وعدم زيارته أو دعوته لزيارة بلادها. تحرك الأمين العام للجامعة العربية في محاولة منه لتهدئة التوتر بين سوريا والحكومة اللبنانية الجديدة، وقد أفشلت هذه القوى ذاتها هذا التحرك ووأدته. أما النظامان المصري والسعودي فقد جاء تحركهما متأخرا بعد طلب لجنة التحقيق ضرورة استجواب الرئيس السوري، درء لتداعيات المواجهة المحتملة وأملا في إيجاد صيغة بديلة تحفظ ماء وجه الرئيس السوري أمام شعبه ومحاولين أيضا تلطيف الأجواء بين سوريا والحكومة اللبنانية لكن المحاولة قوبلت بالرفض من الحكومة اللبنانية.ه

وقد اشتركت كل هذه المحاولات في التشديد علي سوريا بالقبول والالتزام بقرارات مجلس الأمن وإبداء التعاون الكامل مع لجنة التحقيق عملا بمبدأ تفويت الفرصة والانحناء للعاصفة في تكرار أحمق لمطالبة النظام العراقي بضرورة الامتثال والتعاون.ه

إن تعاون سوريا وامتثالها وتعاونها لن يعفيها من المزيد من الضغوط والتدخل والعدوان علي سيادتها حتى تقبل بالمطالب الأمريكية في المنطقة والتي أشرنا إليها من قبل، فقبول سوريا لهذه المطالب هو المستهدف من الضغوط الأمريكية وليس استجلاء الحقيقة في اغتيال الحريري. وامتثال سوريا للشرعية الاستعمارية لن يرفع عنها الأهداف “الدولية” العدوانية الأمريكية والعالمية مثلما لم يجنب امتثال النظام العراقي لقرارات مجلس الأمن ومطالب لجان التفتيش وموافقته علي تدمير أسلحته العراق من الاحتلال والاستعمار. ه

موقف النظام السوري

وافقت سوريا علي قرار مجلس الأمن الخاص بإنشاء لجنة تحقيق في اغتيال الحريري، وتعاملت مع هذه اللجنة ووافقت علي مطالبها “الدولية” باستجواب رموز نظامها من الخارجية والأمن. ولم يدفع ثبوت عدم جدية الاتهام وافتضاح انحياز اللجنة وظهورها كأداة إدانة مسبقة النظام السوري إلي وقف التعامل معها ورفضها. وقد فتح هذا الموقف الطريق لمزيد من الضغوط الاستعمارية التي أشرنا إلي مسارات تصعيدها والتي بدأت بطلب استجواب الرئيس السوري نفسه.ه

بهذا يكرر النظام السوري أخطاءه وأخطاء الأنظمة – والقوي الوطنية – العربية التي اعتمدت مبدأ “تفويت الفرصة” علي العدو في مواجهتها مخططاته في التدخل والاحتلال. فالفرصة المطلوب تفويتها علي العدو لا تمثل في الحقيقة إلا إحدى ذرائعه من بين عشرات الذرائع التي لن يعدم وسيلة لاختلاقها لتحقيق مراميه، وهي – في ذات الوقت – الفخ الذي ينصبه لدفع تلك الأنظمة من خلاله إلي النفق المظلم المؤدي حتما إلي الاستسلام لمشيئته، ولإضعاف أو قطع الطريق علي إمكانية إحداث اصطفاف وطني، شعبي وسياسي، ضد تدخله وعدوانه.ه

وهل جنب أو عفا هذا الموقف المتردد للنظام السوري سوريا من إشهار البند السابع من ميثاق هيئة الأمم في وجهها؟ وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1636، هذا القرار الذي دعا فيه المجلس سوريا إلي التعاون التام مع التحقيق تحت طائلة فرض العقوبات بما في ذلك استخدام القوة العسكرية. ه

إن لسوريا – كدولة ذات سيادة – الحق في أن ترفض مبدأ التحقيق هذا والقرار الذي يستند إليه، وذلك لعدم شرعيته من منظور القانون الدولي ولعدم جديته ولإشراف الدول الاستعمارية المعادية والمتربصة بسوريا عليه. وفي المقابل يمكن لسوريا – عبر قضائها – أن تتعاون مع الدولة اللبنانية وقضائها وحدهما علي قاعدة التعاون في التحقيق كسلطة مع سلطة خارج نطاق التدخلات وفرض الوصاية الأجنبية ، ودون أي التزام من سوريا تجاه موافقة الحكومة اللبنانية بل ومطالبتها بهذا التدخل وتلك الوصاية.ه

ينسجم موقف النظام السوري من قرارات مجلس الأمن الجائرة الخاصة بالتحقيق في اغتيال الحريري مع موقفه الملتبس من مشاريع الاحتلال الأمريكي في العراق. ه

فعلي الرغم من مطالبة سوريا بجلاء قوات الاحتلال الأمريكي الفوري من العراق، إلا أن نظامها يعلن دائما عن تعاونه لإنجاح ما يسمي بالعملية السياسية في العراق، وهو ما يعني بالضبط الترويج للمشروع السياسي الاستعماري لتحقيق استقرار وبقاء الاحتلال والالتفاف حول المقاومة العراقية لحصارها وتصفيتها. ه

ورغم أن مستوي تعاون النظام السوري مع الاحتلال الأمريكي في العراق لا يرضي المتطلبات الأمريكية إلا أنه يفيدها، فيضعف جبهة المقاومة داخل وخارج سوريا ويغذي جبهة الانهزاميين المتحالفين والمرتبطين بمشروع استعمار المنطقة الذي يشمل سوريا . لقد لمس الرئيس السوري كبد الحقيقة عندما صرح في احدي خطبه عن أن “تكلفة التقارب مع أمريكا أضعاف تكلفة مواجهتها“، والتطبيق العملي لهذا الكلام يعني في هذه الحالة عدم تأييد المشروع السياسي الأمريكي في العراق وعدم التعاون معه حتى إعلاميا لما يمثله نجاح هذا المشروع من خطر داهم مباشر علي سوريا ذاتها. ه

لم تعد ترددات النظام السوري وخطة المساومة التي ينتهجها، كما لم يعد اعتماده فقط علي التحالفات الإقليمية والتناقضات بين الدول الكبرى – رغم أهميتها – بقادرة لا علي تجنيب سوريا خطر التفكيك والاحتلال ولا علي استمرار النظام نفسه ما لم يرفع سقف تنازلاته أمام العدو الأمريكي الصهيوني إلي حدود متطلبات المشروع الاستعماري الماثل علي الأرض. ه

فبعد احتلال العراق وخريطة الطريق في فلسطين ووضع مشروعات الخرائط السياسية الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ، لم يعد العدو الأمريكي يحفل كثيرا بعقد اتفاقيات تعطي للأنظمة العربية مظهرا خادعا للسيادة أو الاستقلال، بعد أن حققت هذه السيادة في السابق الأغراض التي توختها ولأن التردد والارتعاد من رفض مخططات العدو هما المادة المنشطة والمثيرة لشهيته الهمجية في الوثوب والالتهام والقضم، فليس أمام سوريا غير خيار المقاومة، وليس أمام النظام السوري غير اللوذ بالشعب وتحقيق وتمتين الوحدة الوطنية والتي أثبتت كل تجاربنا من قبل استحالة قيامها إلا علي أسس ديمقراطية. ه

فالديمقراطية هنا تشكل القاعدة الصلبة لدعم وإنجاح إستراتيجية المقاومة، في الوقت الذي تشكل فيه إستراتيجية المقاومة أداة الفرز الدقيق في الداخل السوري بين القوى الوطنية المنحازة ببرامجها وبممارساتها بحق لتطلعات الشعب في الاستقلال الوطني والديمقراطية والتطور الاجتماعي وبين القوي المرتبطة بأعداء الشعب من الاستعماريين والصهيونيين.ه

ومسؤولية هذه المهمة تقع وفي المقام الأول علي النظام السوري باعتباره الحاكم والمسئول عن اتخاذ المبادرات السياسية وإصدار التشريعات الضرورية لتوحيد الشعب تحت قيادة جبهة وطنية ديمقراطية حقيقية – وليست ديكتاتورية كالقائمة الآن – تعبئ وتنظم طاقات الشعب بأسره لمقاومة التدخل والعدوان ولتحرير الجولان المحتلة.  ه

موقف المعارضة السياسية وجماعات المثقفين في مصر

انقضت ثلاث سنوات علي الاحتلال الأمريكي للعراق، تهتك فيها الغشاء المنسوج من الأغراض البراقة المدعاة للسياسة الأمريكية التي غلفت به عدوانها علي العراق وبقية الشعوب العربية، فبدت “الديمقراطية” الموعودة وكأنها كلمة السر في تفكيك الدول العربية علي أسس طائفية وعرقية، وفي إعادة تقسيم المقسم للوصول إلي الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة. واتضح تماما أن المقصود من شعار “حقوق الإنسان” العربي الذي تتشدق به أمريكا وغيرها من دول الاستعمار هو انتهاك وإهدار ما تبقي من هذه الحقوق، حريته وجسده وتاريخه وعقائده ورموزه. وخلال تلك السنوات كشفت السياسات والممارسات الأمريكية في المنطقة لشعوبنا عن وجه أمريكا الاستعماري والعاري كعدو مباشر وسافر لا لتطلعاتها في الاستقلال والسلام والديمقراطية والتقدم الاجتماعي فحسب بل لوجودها القومي ذاته بعدما كانت تمارس عدوانيتها وهيمنتها قبلها – بشكل أساسي – من وراء أداتها وكتيبتها المتقدمة وهي “الدولة” الصهيونية. كما كشفت عن شمول الاجتياح الاستعماري الأمريكي واستهدافه لكل الدول العربية واحدة تلو الأخرى حتى بات ينمو في الضمير الجمعي للشعب المصري وغيره من الشعوب العربية الاعتقاد بأن “الدور جاي عليه”، فضلا عن إعادة كشفها لحقيقة العلاقة العضوية بين مصالح وأطماع أمريكا الاستعمارية في العالم العربي وبين وجود وعدوانية وتوسعية الكيان الصهيوني. ه

إلا أنه وبرغم هذه الحقائق وتجليها الآن – ماثلة للناظرين – في اقتراب آلة الامبريالية العالمية من إحكام الخناق حول سوريا ولبنان لإضافة الدولتين بعد تفكيكهما وحكمهما حكما مباشرا – بالاحتلال أو التهديد به – إلي النموذج العراقي كمثل يحتذي في المنطقة، فإن الموقف الغالب في المعارضة السياسية وجماعات المثقفين المصريين مما يجري في سوريا ولبنان وضدها قد حكمه توجهان أساسيان:ه

التوجه الأول : انشغال أغلب القوى والأحزاب والتجمعات السياسية المعارضة والمثقفين أو بالأحرى تشاغلهم عن مصير دمشق وبيروت.  ه

ولعل التفسير المقبول لهذا التشاغل وغض الطرف هو نفاذ ذهنية الارتعاد من إمكانية مقاومة اندفاع المد الاستعماري إلي فكر وممارسة أغلبها. لا نتحدث هنا عمن أصبحوا في خندق واحد مع العدو، وإنما عن الذين أدانوا بطريقة أو أخرى الاحتلال الأمريكي للعراق قبل وقوعه فراحوا كالنعام الذي استشعر الخطر أمامه يدفنون رؤوسهم فيما أسموه قضايا الداخل متجاهلين بديهيات أكدتها خبرة سنوات الصراع العربي الاستعماري الصهيوني وخاصة الأخيرة منها والمتمثلة في: ه

أ‌- أن التصدي للسياسة الإمبريالية المتغلغلة في أدق شئوننا الناجمة عن أوضاع التبعية والتدخل والوصاية الاستعمارية المفروضة علي مصر هو العمود الفقري لقضايانا والتي لا تعرف – ككل بلاد العالم – تصنيفا أو فصلا تعسفيا بين داخل وخارج. ه

ب‌- إن مرور المخطط الاستعماري الصهيوني المرسوم بعد العراق يزيل واحدا من أهم الحواجز الباقية أمام اندفاع المد الاستعماري صوب مصر لإخضاعها تماما للصيغة الجديدة للمشروع الاستعماري الأمريكي. ه

ج‌- أن هذا التشاغل يعادل التمكين الفعلي لنزعة الاستسلام وقبول الأمر الواقع الفاجع الذي تحاول القوي المشبوهة نشرها في صفوف الشعب، وهو الوجه الآخر لسياسة الإجهاز علي ثقافة وروح المقاومة لدي الجماهير، سياسة ترك مقدراتنا لقمة سائغة لمخطط همجي ماثل أمامنا ز ولنتأمل تصريح وزيرة خارجية العدو الأمريكي وهي تشعر بالسعادة عندما وجدت “المصريين منشغلين بقضاياهم الداخلية”. ه

د‌- أن مقاومة الاستعمار الأمريكي والاحتلال الصهيوني أمر ممكن والانتصار عليه أمر ممكن. ه

التوجه الثاني : هو اتجاه مجموعة أصوات وأقلام لكتاب وصحفيين انطلقت في التعامل مع تحركات وتهديدات سوريا ولبنانمن مواقف لم تختلف عن تلك المواقف التي تناولت بها التهديدات الأمريكية التي سبقت احتلال العراق، والتي ساهمت بنصيب كبير في عملية إضعاف وتفتيت الاصطفاف السياسي ضد العدو فمنها: ه

ه1- أقلام تظاهرت بالحياد وتعاملت مع الأحداث بمعزل عن كونها صراعا محددا، وركزت في المقابل علي ديكتاتورية النظام السوري وفساد وأخطاء نظامه في لبنان، فأيدت نتائج ما أفرزته سيناريوهات المخطط الاستعماري تجاه سوريا ولبنان وعزلتها عن مصدرها وأهدافها فقد رحبت تلك الأقلام بخروج القوات السورية من لبنان وتخلص الأخيرة من النظام الأمني السوري، وهللت “لانتفاضة الأرز” – كما أسمتها كونداليزا رايس – المصنعة بأجهزة المخابرات والأجهزة الاستعمارية الأخرى علي غرار الثورة البرتقالية في “أوكرانيا” وغيرها من الثورات الملونة واعتبرتها انتفاضة الديمقراطية في لبنان. كما تعاملت مع قرارات مجلس الأمن المتوالية بخصوص سوريا ولبنان باعتبارها قرارات الشرعية الدولية التي يجب علي النظام السوري والحكم اللبناني الإذعان لها، معتبرة رفضها أو المناورة علي تطبيقها يشكل وهما وتحديا للمجتمع الدولي. ه

ه2- أصوات تدعي الثورية بل والماركسية لم تكتف بالتشاغل من جانبها عن الأحداث، لكنها بررته بأنها غير معنية بالدفاع عن النظام السوري وأنها ستدافع عن الشعب السوري (!) ولا ندري كيف يمكن لهم أو لنا أو لغيرنا تحقيق ذلك في ظل الوضع الراهن الذي تشتبك فيه الامبريالية مع النظام السوري لإزاحته كعقبة أمامها لفرض سيطرتها وحكمها علي الشعب السوري؟ فهل المقصود هو انتظار إطاحة العدو بالنظام السوري وفرض إدارة بديلة موالية له عبر تفكيك الدولة وتقطيع أوصال المجتمع حتى نبدأ التفكير في الوقوف بجانب الشعب السوري؟ أم يقصدون أن الهجوم الاستعماري الراهن علي سوريا يستهدف النظام السوري؟ أم أن هذا الهجوم موجه لصالح حرية ورفعة ومجد الشعب السوري؟!

واجباتنا في مواجهة العدوان الأمريكي علي سوريا ولبنان

يسجل العدو الأمريكي نجاحاً ملموساً، رغم انكشاف مرامية، في مجال تقويض وإضعاف حركة الجماهير الشعبية العربية وعزلها عن طليعتها المتقدمة في المواجهة معه المتمثلة في المقاومات العربية في فلسطين ولبنان والعراق. كما يسجل نجاحاً أكبر في عزل الدول العربية عن بعضها البعض والانفراد بكل منها علي حدة لتفكيكها وقضمها في مشروعه الاستعماري “الشرق الأوسط الكبير”. وهو إذ يرتكز في تحقيق هذا النجاح علي تهالك وعجز نظم الحكم العربية، بل ووقوف مرتكزاته المحلية- السياسية والاجتماعية والفكرية-داخل هذه النظم وخارجها في خندق واحد مع جل سياساته ومخططاته ، فقد استطاع أن يلغم طريق مقاومة أغلب القوي السياسية الوطنية العربية له، ويصرفها بعيداً عن المواجهه بأشراك “الديمقراطية أولا”، “ومصر أولا” و”لبنان أولا” …… الخ. ه

يتبدى هذا النجاح جلياً في مشهد الانشغال العام السياسي المصري والعربي عما يدبر لسوريا ولبنان، كما يظهر- وفي أحسن الأحوال- في بطء وتعثر هذه القوي وهامشية حركتها في مواجهته. ه

وحتى لا نبكي بيروت ودمشق انتظاراً لبكائية الخرطوم والقاهرة والجزائر وغيرها، علينا أن نعترف بمسؤوليتنا- مسؤولية القوي والأحزاب والعناصر السياسية الوطنية- بلا استثناء عن مرور المشروع الأمريكي ونفاذه لا في واقع مجتمعاتنا العربية فحسب، بل ونفاذه أيضاً وبدرجات متفاوتة في الفكر السياسي لأغلب هذه القوى.. ه

علينا أن نبادر إلى تعبئة وتوحيد شعوبنا في النضال لمقاومة العدوان الأمريكي الماثل والمشرع في وجه الشعبين السوري واللبناني، كمهمة عاجلة، في إطار المهمة الكبرى لبناء مشروع المقاومة العربية لصد العدوان والاجتياح الاستعماري الشامل لمجتمعاتنا العربي علي كل الأصعدة ،وذلك بالعمل علي تحقيق ما يلي:  ه

ه1- التضامن التام مع سوريا ــ حكومة وشعباً ودعم مقاومتها للضغوط والتهديدات الأمريكية والدولية والصهيونية، ومقاومة كل ما يفرض عليها من عقوبات سياسية واقتصادية ورفض خضوع أيا من الدول العربية لها، وكل ما تتعرض له من عدوان.  ه

ه2- رفض وإدانة كل صور التدخل الأجنبي في سوريا ولبنان وفضح مراميها وأهدافها الاستعمارية وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن الجائرة المنتهكة لأبسط قواعد استقلال وسيادة الدولتين، إدارة وتوجيه السياسة اللبنانية ضد سوريا والمقاومة اللبنانية، والعمل المباشر داخل لبنان سواء للإطاحة بالرئيس “أميل لحود” وتنصيب رئيساً جديداً موالياً للأجندة الاستعمارية الموجهة ضد سوريا ولبنان، أو لإذكاء الطائفية اللبنانية والدفع في اتجاه تجديد الحرب الأهلية كأحد الخيارات الاستعمارية لتصفية المقاومة اللبنانية. ه

ه3- إدانة ورفض مواقف ما يسمي بتحالف “14 آذار” والذي سخر قواه لتذليل العقبات أمام تحقيق السيطرة الاستعمارية المباشرة علي لبنان واستغلاله كمرتكز لإخضاع سوريا. ه

ه4- إدانة وفضح مواقف بعض قوى المعارضة السورية التي تكرر بمواقفها نموذج المعارضة العراقية العميلة، وتدعي تلاقي مصالحها مع مصالح العدو وتعمل داخل مخططه للإطاحة بالنظام السوري وتفكيك سوريا عبر تفجير الصراع الطائفي والعرقي داخلها، ودعوة قوي المعارضة الوطنية في سوريا إلى إعلاء مشروع المقاومة ضد العدوان الأمريكي والصهيوني واعتباره واجبها الأول والرئيسي. ه

ه5- الوقوف الحازم ضد نزع سلاح المقاومة اللبنانية، واعتبارها جزءاً رئيسياً من مكونات استراتيجية الدفاع عن لبنان ضد الأطماع الصهيونية والاستعمارية مع العمل علي إتاحة حق الانخراط في المقاومة المسلحة لكل القوي والعناصر القادرة والراغبة في ذلك، ووضع مسألة بناء جيش نظامي لبناني وطني وقادر في مقدمة أولويات القوي الوطنية اللبنانية.ه

ه6- نقد النظام السوري – من موقع التضامن معه – في موقفه الملتبس من خطه السيطرة الأمريكية علي العراق المدعاة “العملية السياسية فى العراق” ودعوته إلى فض تعاونه معها بأي صورة لما يمثله من خطر مباشر علي سوريا ذاتها، ودعوته إلى إطلاق الحريات الديمقراطية في سوريا، وتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية حقيقية وطيدة تعبئ وتوحد وتنظم طاقات الشعب بأسره لمقاومة التدخل والعدوان الأجنبي ولتحرير الجولان المحتلة وذلك في إطار حرب شعبية طويلة الآجل تعتمد علي الجيش الوطني والشعب المسلح. ه

ه7- دعوة جماهيرنا الشعبية وجميع القوي الوطنية إلى الالتفاف حول”المقاومة والتحرير” كشعار رئيسي ومهمة رئيسية للمرحلة الحالية، وألا تفصل نضالها من أجل الحرية والديمقراطية وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية عن قضايا النضال من أجل التحرر الوطني من الاستعمار والصهيونية والتبعية، وان تنبذ الدعوات الخطيرة الخادعة مثل “مصر أولا… لبنان أولا… الديمقراطية أولا… الشئون الداخلية أولا…الخ” والتى لا تستفيد منها إلا قوى الاستعمار والصهيونية. ه

 

 

المصدر: التحرر الوطني، 29 حزيران 2011

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: