امبراطورية الشر الجديدة

تأليف: عبد الحي يحيى زلوم

بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، على مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون في واشنطن (دي.سي) سيطر دعاة ومعتنقوا عقيدة صراع الحضارات على الساحة السياسية والإعلام في امريكا. فقبل الكشف عن أي دليل على هوية المهاجمين، كانت الحملة المنظمة ضد الإسلام والمسلمين قد بدأت تبث سمومها عبر مختلف وسائل الإعلام وذلك في غضون الدقائق العشر الأولي التي أعقبت الهجمات. فقد وصف الكاهن فرانكلين غراهام Franklin Grahamالإسلام بأنه دين شرير. كما أن وسائل الإعلام والصحف الكبري في امريـكا مثل نيويورك تايمز The New York Times والواشنطن بوست The Washington Post قد أصدرت أحكامها مسبقاً على الإسلام، وذلك على لسان كتاب الأعمدة الذين أجمعوا رأيهم على أن المشـكلة التي يعـاني منها العالم هي الإسلام المتطرف Radical Islam كما يـدعي البعـض، أو الإسلاميون Islamists كما يحلو للبعض الآخر تسميتهم.

إلي جانب ذلك، فقد صور الإعلام الإسلام على أنه دين عنف. وهذا ما دفع بالمواطن الامريكي العادي الذي لا يشغله سوي قوت يومه إلي الاعتقاد بأن الإسلام والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة. وبذلك أصبحت الحرب ضد الإرهاب، سواء شعوريا أو لاشعوريا، حربا ضد الإسلام؛ فأعلنت محطة سي إن إن CNN هذه الحرب قبل أن يقرها الكونغرس الامريكي نفسه.

لقد أعلن جورج بوش الصغيرGeorge W. Bush أن العالم بات مقسوما بين الخير والشر وبين المؤمنين والكفار، والمؤمنون هم أولئك الذين يرتضون القيم الامريكية للرأسمالية الانكلو ـ ساكسونية برمتها أما الكفار فهم الذين يرفضونها، ويجب على الأمم الآن أن تقرر ما إذا كانت مع هذه القيم أو ضدها، وعليها كذلك أن تقرر إن كانت مع الحرب الامريكية على الكافرين بهذه القيم. وهنا تصبح الدول التي لا تقبل بالقيم الامريكية والغربية دولا شريرة بشّرها بوش بعذاب أليم. ولقد أعلن بوش أن الحرب ستكون طويلة ضد الإرهاب دون أن يحدد مفهومه للإرهاب أبداً، أو أنه كان يحدده بين الفينة والاخري بما يتفق ومصالح وأهواء البارونات الرأسماليين العبرقطريين. فيا لها من حرب غريبة لا مثيل ولا سابق لها! لقد بدأت الحرب الامريكية الجديدة ضد حركة طالبان في أفغانستان وضد أسامة بن لادن. وقبل أن يصبح جـورج بوش George Bush رئيساً سأله أحد مراسلي مجلة غلامور Glamor في ايار (مايو) 2000 حول مدي معرفته بالشؤون الخارجية، وكان السؤال عما إذا كان بوش يعرف ما هي طالبان، حيث أجاب بوش بأن هذا الاسم قد طرق مسامعه من قبل وأنه يعتقد أنه اسم فرقة روك أند رول امريكية. وعندما طلب منه المراسل أن يذكر له أسماء عشرة قادة دول، لم يستطع أن يذكر سوي اسم واحد فقط.

لقد كانت القوي التي أوصلت بوش هذا إلي سدة الحكم ليدير أجندتها الخاصة بنظام عالمي إمبريالي جديد على علم تام بما تريد. ولقد علّق أحد القادة البارزين من الحزب الديمقراطي يوم تولي الرئيس بيل كلينتون Bill Clinton الرئاسة للولاية الاولي قائلاً: تتغير الوجوه في البيت الأبيض أما القابضون على مقاليد السلطة وراء الكواليس فهم أنفسهم لا يتغيرون.

إن قيم ومباديء النظام العالمي الجديد هذا هي ذاتها قيم الرأسمالية الانكلو ـ سكسونية التي دمجت بين قوة المال وقوة الإعلام لخلق اقتصاد طفيلي جديد. ولكن هذا الاقتصاد الجديد أصبح عبئاً على الاقتصاد المنتج. وفي هذا الاقتصاد المنتج القديم يعتبر المال إحدي وسائل الإنتاج لا أكثر، أما في هذا الاقتصاد الطفيلي المعلومالي الجديد فقد بات الغرض الأوحد للمال هو جني المزيد من المال دون دخول حلبة الإنتاج. ولقد حوّل بارونات المال اللصوص في كل أرجاء الدنيا العالم إلي كازينو وقاموا عبر أموالهم ووسائل إعلامهم بتعيين القوي الحاكمة في الولايات المتحدة لإدارة شؤون هذا الكازينو نيابة عنهم مستخدمين ذراع الولايات المتحدة الطولي لهذا الغرض.

لقد تمخض هذا المزيج المخيف من قوة المال وقوة الإعلام وقوة التسويق سواء للأشخاص أم للأفكار عن قدرة هائلة على غسل الأدمغة لا تقدم للعالم سوي رؤية واحدة فقط لا غير، وهي رؤية قوي الظل التي تسيطر على العالم عبر واشنطن. لقد قامت قوي الظل هذه بفرض إعادة تشكيل الاقتصادات الإنتاجية للدول ليتوافق مع مخططاتها للهيمنة الاقتصادية وتمت تسمية هذه التغيرات، ظلماً، بأنها إصلاح Reform)، وما هي في حقيقتها سوي إعادة تشكيل Re-forming للاقتصادات بطريقة تمكنهم من السيطرة عليها. ولقد اعتمدوا لذلك وسائل الصدق والكذب سويّاً للوصول إلي هذه الأهداف.

تبرير الحرب

لقد ابتدع صامويل هنتنغتون Samuel Huntington إلي جانب كثيرين آخرين من شاكلته، معظمهم جاءوا من رحم قوي الظل العالمية، رسالة يشرح فيها التبرير الأخلاقي للحرب التي من أجلها أوصلوا جورج دبليو بوش George W. Bushإلي البيت الأبيض. وتروج الرسالة إلي وجوب اعتناق القيم الامريكية والغربية واعتبارها قيما عالمية. ويدّعي الموقعون على تلك الرسالة أن من قاموا بهجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) إنما كانوا يهاجمون تلك القيم. كما أنهم أقرّوا أن هناك نوعين من الإسلام: الإسلام الجيد (أو كما يسميه بعض المسلمين الآن الإسلام الامريكي من باب السخرية) والإسلام السييء. ويجب أن يكون الإسلام الجيد على شاكلة الإسلام الذي أقامه كمال أتاتورك في تركيا، كما قال نائب وزير الدفاع الامريكي. لقد أعلنوا أن العالم أصبح قرية واحدة وأن عملية العولمة المستمرة لا بد وأن تحمل في ثناياها مجموعة واحدة من المباديء العالمية، وقرروا نيابة عن العالم بأن هذه المفاهيم والقيم يجب أن تكون المباديء الغربية. ولكننا نعترض هنا على هذا الإدعاء برمته! قليلون هم الامريكيون الذين يتذكرون الحركة الشعبية وحزب الشعب الذين سادوا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ولقد تمخضت تلك الحركة عن مفاهيم عظيمة تحترم الإنسان وإنسانيته وتـُسخّر مفاهيم العدل الاجتماعي وضرورة خدمة الدولة للمجتمع كله بدلاً من تسخير الدولة والمجتمع كله لخدمة بارونات المال في وول ستريت وأتباعهم؛ فقد كانوا يسعون إلي امريكا مختلفة، امريكا من نوع آخر، وطريقة جديدة في النظر إلي الأشياء.

لقد أرادوا أن يغيروا الرأسمالية السائدة آنذاك، وسعوا إلي إصلاحات جذرية للنظام الاقتصادي الامريكي. وبذلك فإن مفاهيم تلك الحركة الشعبية الإصلاحية Populists كانت تقاسم الإسلام كثيراً من قيم الصالح العام التي يتضمنها الإسلام في رؤيته للاقتصاد والمجتمع. وأفضل ما يوضح لنا أوجه الشبه والقواسم المشتركة بين النظرة الشعبية الامريكية تلك وبين الإسلام ومفهومه للنظام الاقتصادي هو الدراسة التي أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD حول الإسلام وكيفية اختلافه عن الرأسمالية والاشتراكية.

تقول الدراسة: تختلف المفاهيم الإسلامية عن الرأسمالية من خلال معارضتها لكنز الثروات بشكل غاية في الإفراط … وإن المجتمع الإسلامي ليس بأي حال من الأحوال حلبة تتصارع فيها المصالح المتضاربة ولكنه مكان تسوده العلاقات المنسجمة والمتجانسة ليتسني تحقيقها من خلال حس بالمشاركة في تحمل المسؤوليات. وينبغي لحقوق الأفراد أن تكون متوازنة بشكل متوازن مع حقوق المجتمع.

إننا على يقين تام من أن القيم الامريكية الرأسمالية الحالية قد خلطت الحابل بالنابل، وربطت بين الحياة الحسنة والاستهلاك بحيث أصبحا شيئاً واحداً. ولقد قال الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارترJimmy Carter مؤخراً: في دولة كانت تتباهي بالعمل الدؤوب والعائلات المترابطة والمجتمعات المتينة في بنيانها وإيمانها، أصبحت اليوم تميل إلي عبادة الانغماس الذاتي والاستهلاك. ولم يعد تعريف الهوية الإنسانية بما يفعله الإنسان، بل بما يملكه. ولذلك اكتشفنا أن امتلاك الأشياء واستهلاكها لا يشبع حاجتنا إلي الأمور المعنوية والروحية، وقد تعلمنا أن تكديس السلع المادية لا يكفي لملء الفراغ الذي يكتنف الحياة عندما لا يكون فيها إيمان أو غرض.

ولا يسفر هذا النموذج من الرأسمالية ذات القيم المادية عن شيء إلاّ الجريمة والجريمة المنظمة وما شاكلهما. وقد أوردت شركة الإذاعة الوطنيةNBC عام 1997 في تقرير لها عن مدينة لوس أنجيلوس ما يفيد أن أغلبية ال 150 ألفا من أعضاء العصابات المسلحة من المراهقين. ويلقي حوالي 9000 شخص سنويا حتفهم على أيدي تلك العصابات منهم 25 في المئة من المارّة الأبرياء.

وفي ثقافة المادة والنمو الاقتصادي والرغبات المباحة، يغذي هؤلاء المراهقون بالثقافة التي تشجعهم على العنف وتحرضهم على الجريمة لأنها تجارة مربحة، فالمال في النظام الانكلوـ ساكسوني الرأسمالي هو المقياس النهائي للنجاح.

وقد باعت شركة إنتر ـ سكوب ريكوردز inter ` scope record) التي تتخذ من لوس أنجيلوس مقراً لها والمملوكة جزئياً لشركة سيغرام Seagram) أكثر من مليون نسخة من ألبوم لفرقة الروك أند رول الشيطـانية الذي يحمل عنوان Anti Christ Superstar التي تعني بالعربية نجم المسيح المزيف.

وتسـتمد مارلين مانسون Marlyn Manson صاحبة الألبوم اسمها من المغني الرئيسي فيها الذي يتكون اسمه من مقطعين هما مارلين و مانسون ، حيث المقطع الأول يشير إلي مارلين مونرو Marlyn Monroe التي أنهت حياتها بالانتحار، بينما يشير الثاني إلي تشارلز مانسون Charles Manson السفاح الذي عرف بارتكاب جرائم جماعية. وتقوم كلمات الأغاني في الألبوم على الجريمة والانتحار واليأس، كما أن كثيراً منها لا يمكن طباعته .

إن القتل من أجل المال يقع ضمن قِيَم النظام الذي تطالب الولايات المتحدة العالم بتبنيه. ففي نظام الرأسمالية المعلوماتية infofinancialism يعتبر المال المقياس النهائي للنجاح. ولم تفعل واشنطن الكثير لكبح جماح صناعة التبغ طيلة 33 سنة – وذلك بعد أن أقرّ كبار الأطباء في وزارة الصحة الامريكية، منتصف الستينات من القرن الماضي، بوجود دليلٍ كافٍ ودامغ لدعم الافتراضات القائلة بأن التدخين قاتل ومسبب للإدمان. (مجلة تايم TIME) ، 30 حزيران (يونيو 1997)، قالت: إن الامريكيين يخسرون ما مجموعه 4 ملايين سنة تراكمية سنوياً من حياتهم في وقت مبكر، مما يمثل أسوأ فضيحة صحية امريكية باتت مقبولة بشكل روتيني. ومن السخرية أن إنكار رؤساء شركات التبغ والسجائر الحقائق الدامغة بأن التدخين يؤدي إلي الإدمان والموت علماً بأن كمية ضخمة من الوثائق الداخلية الحاسمة التي كشف النقاب عنها خلال العقد الماضي أثبتت عكس ذلك. ويدفع حوالي 400 ألف مواطن امريكي حياتهم سنوياً ثمناً للتدخين. وخلال السنوات الثلاثين التي قدم فيها كبار الأطباء في وزارة الصحة الامريكية البينات المقنعة على الخواص القاتلة لصناعة التبغ، قضي حوالي 14 مليون امريكي نحبهم موتاً أو قتلاً من الدخان.

من سوء الحظ أن الرأسمالية الانكلو ـ سكسونية لا تزدهر إلاّ في ظل الحروب التي تمثل بدورها فرصاً سانحةً للبارونات اللصوص الأثرياء، بينما تمثل بالنسبة لبقية شعوب العالم الموت والدمار.

لقد أفرزت الحضارة الغربية وقيمها أكثر الحروب ضراوة في التاريخ. فقد أودت الحرب العالمية الثانية لوحدها بحياة 50 مليون شخص. إن أخلاقيات هذه الحضارة الغربية العنصرية قامت بإلقاء قنبلتين نوويتين على المواطنين في مدينتين يابانيتين في وقت كان واضحاً فيه أن الاستسلام الياباني وشيك.

إن قيم هذا النظام أوجدت تبايناً صارخاً في الثروات حيث يهيمن واحد في المئة فقط من الشعب الامريكي على ثروات تزيد أضعاف المرات على ما يمتلكه ثمانون في المئة من الشعب مجتمعين. ويمتلك بيل غيتس Bill Gates من الثروة ما يعادل ثروة مدينة امريكـية تعـداد سكانها نصـف مليون نسـمة. ومع ذلك، فقد صنّف المكتب الامريكي العام للإحصاء U.S Bureau of Statistics في مطلع القرن الواحد والعشرين حوالي 40 مليون امريكي كفقراء كثير منهم مشردون دون مأوي. وفي كل مدينة امريكية كبيرة توجد أحياء فيها فقر مدقع، وبذلك توجد عوالم ثالثة في امريكا نفسها. وقد وصف روبرت إي دافولي Robert E. Davoli المدير التنفيذي لإحدي الشركات الامريكية العملاقة، النظام الامريكي بقوله: إن الرأسمالية هي انحراف وتضليل. لدينا أعلى معدلات الجريمة في العالم، ولدينا أناس يعيشون على قارعة الطريق دون أن يلقي أحد لهم بالاً.

لقد أفرز نظام الرأسمالية الاستعمارية تفاوتاً وعدم مساواة بين الأمم على صعيد العالم كله، وهو أمر آخذ في التزايد. وهناك 358 مليارديرا يتربعون على ثروة مجمعة تعادل إجمالي ما يملكه أفقر 2.5 مليار إنسان على ظهر الأرض.

إن الرأسمالية والمصالح متعددة الجنسيات أفرزت طبقة الواحد بالمئة One Percent Class في كل الدول القطرية وترابطت مصالح البارونات العبر قطرية مع البارونات العالميين وتشابكت معا، وتتقدم تلك المصالح على المصالح الوطنية. لقد أصبح البارونات القطريون في بلدانهم أقل حجماً فصاروا حراساً لمصالح البارونات الكبار اللصوص العبر قطريين، بينما تم التخلي عن سيادة الدول القومية ليحل محلها نظام الدول القطرية العميلة التي تدار لحساب البارونات العبرقطريين.

إن أصحاب النظام العالمي الجديد هم البارونات اللصوص العبر قطريون وعرّابو وول ستريت ، لقد صادروا القيم الامريكية الأصيلة وحولوا الحلم الامريكي إلي كابوس، ورفعوا من شأن الرأسمالية المعلوماليّة لترقي إلي مستوي عقيدة ذات قيم ومباديء تناصب قيم كافة العقائد الأخري وأخلاقياتها العداء، فليس هناك تعارض جوهري بين اليهودية والمسيحية والإسلام. إن الصراع الحقيقي يقوم بين مادية الرأسمالية المعلوماتيّة التي تجردت قيمها من الأخلاقيات كافة، والمثل الدينية.

يقـول ليستر سي ثوروLester C. Thurow أستاذ علم الاقتصاد والعميد السـابـق لكلية سلون سكول للإدارة Sloan School of Management في جامعة MIT الشهيرة، في كتابه مستقبل الرأسمالية Future of Capitalism: لسوء الحظ، فإن كلا من الرأسمالية والديمقراطية لا تمثل بأي حال من الأحوال آيديولوجية مشتركة، فهما لا تقدمان أهدافاً مشتركة تؤدي إلي الوصول إلي ما يعمل الجميع من أجله، فهما تؤكدان على قيمة الفرد، لا الجماعة. وفي تعبير صارخ وفظ لما تشمل عليه أخلاقيات ومـُثل الرأسمالية، فإن الجريمة لا تعدو كونها نشاطاً اقتصادياً آخر.

لقد اشتملت كل الأديان السماوية على وصايا بنبذ الربا باعتباره إثماً وخطيئة كما نص سفر التكوين الذي تضرب جذوره في القدم. كما أن الإسلام حرم الربا وكنز الذهب والنقود لأي سبب كان عدا تشغيله واستخدامه وسيلة للإنتاج. وبذلك، فإن الإسلام يبارك الاقتصاد القديم الذي يعتبر منتجاً، الذي يتعارض تعارضاً مباشراً مع الاقتصاد الجديد الرأسمالي المعلومالي الطفيلي والمضارب. وهذا الأمر تحديداً هو ما يقضّ مضاجع البارونات اللصوص في كل الأقطار. وتأتي هذه القيمة الإسلامية على النقيض تماماً مع قيم البارونات. وهذا ما يلخصه جون مينارد كينزJohn Myanard Keynes الاقتصادي البريطاني الشهير في القرن العشـرين، والذي لعـب دوراً فـي وضـع وصـياغة اتفاقية بريتون وودز Bretton Woods المالية فيمـا بعـد الحرب العالميـة الثانية، في كـتابه المشهور: النظرية العامة للتـوظيف والمصلحـة والمال The General Theory of Employment, Interest and Money

حيث يقول: لا بد لنا أن نتخذ الجشع وكنز المال والربا والاحتراس أربابا لنا … فهم فقط دون سواهم الذين سيقودوننا إلي النور.

لقد صرح اقتصاديو القرن العشرين رسمياً وعلى رؤوس الأشهاد أن المال، بل وحتي الربا، ليسا خطيئة واعتداء على الله، بل هما الله نفسـه بالنسـبة لهم! وحـتي بعد أن تعرضت هذه العقيـدة الكينزية للهجوم، فإن أرباب أصولية السوق Market Fundamentalism قد استلموا الراية من بعده وابتدأوا من حيث انتهي كينز. ففي عام 1980 ومع بداية عهد إلغاء القيود التشريعية، أقر الكونغرس مشروع إلغاء القيود عن الربا وشرّعه إلي جانب تشريعات وقيود أخري كثيرة قام بإلغائها. ونتيجة لذلك، فقد تم إلغاء السقف الأعلى الذي كانت الحكومات المحلية وحكومات الولايات قد حددته لرهن العقارات. وبات الربا، إلي جانب الجنس، من المسائل الشخصية التي لا ينبغي للحكومة التدخل فيها طالما أن أصحاب العلاقة هم أشخاص بالغون ولا إشكال أو اعتراض لديهم.

شرارة الأصولية الأولي جاءت من الصهيونية التي اغتصبت أراضي الغير تحت مسمـّيات دينية متعصبة في الوقت الذي يمارس الغرب نفاقه مناديا بالعلمانية. أما كون الفلسطينيين قد عاشوا في فلسطين آلاف السنين، وأنهم كانوا وهم ما زالوا سكان البلاد الذين يملكون أكثرية الأرض والعقار، فهو بالنسبة لهم كأنه لم يكن. ومنذ بدايات الصهيونية، كتب مؤسس الحركة الصهيوينة ثيودور هيرتزل في يونيو 1895 في مذكراته: علينا أن نقذف بسكان فلسطين المفلسين الفقراء خارج فلسطين بإيجاد فرص عمل لهم في دول أخري، وحرمانهم من التوظيف داخل (بلدنا!) وفي حزيران (يونيو) 1938 اجتمعت الوكالة اليهودية ليوم كامل في فلسطين حيث قررت بأغلبية ساحقة عملية التهجير الجماعي (الترانسفير) لعرب فلسطين من أراضي الدولة اليهودية المزمع إقامتها.

أما الأصولية المسيحية في النصف الثاني من القرن العشرين فقد رأت من المناسب أن تـُعَجـّل من القدوم الثاني للمسيح بواسطة الدولة اليهودية إسرائيل، وهم مستعدون أن يقاتلوا المسلمين حتي آخـر يهودي. وعندما سأل أحدهم ليني ديفس Lenny Davis أحد أقطاب الأيباك (اللوبي الصهيوني الامريكي) السابقين إن كان يعلم بأن التلاقي في الأهداف بين الصهاينة اليهود والصهاينة المسيحيين سينتهي حين قدوم المسيح حيث أن للصهاينة المسيحيين معتقداتهم وأجندتهم الخاصة حينئذ، أجاب: إن هؤلاء يثيرون قرفي وخوفي، ولكن حتي أن أري المسيح يسير فوق جبال القدس فإني أدعم كل من يريد أن يكون صديقا لإسرائيل .

خرافة السوبرمان مقابل الدولة الأعظم

تعجّ الولايات الامريكية بأكثر أنواع الاستخبارات تعقيداً في العالم إلي جانب قدراتها الفائقة على المستوي التقني. وهي لا تملك وكالة استخبارات واحدة، بل إنها تقوم على عدة وكالات للمخابرات التي تعمل على المستويين المحلي والدولي. كما ان هناك أنظمة تعاون وتنسيق غاية في التعقيد تربط ما بينها وقد أثبتت كلها نجاعتها. ومن بين هذه الوكالات نذكر: وكالة المخابرات المركزية Central Intelligence Agency (CIA)، وكالة استخبارات وزارة الدفاع Defense Intelligence Agency (DIA)، واستخـبارات الجيش Separate Army، واستـخبارات البحـرية Navy)، وخدمـات استخبارات سـلاح الجو Air Force Intelligence Services)، ووكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الخـارجـية، وهـومكتب الاستخبارات والبحث The Bureau of Intelligence and Research (INR)، واستخبارات مفوضية الطاقة الذرية

The Atomic Energy Commission Intelligence)

ومكتب التحقيـقات الفيـدرالي FBI، وأخـيراً وإن كان لـيـس آخـراً، وكـالة الامن القـومي NSAThe National Security Agency)، وهي كبري وكالات الاستخبارات الامريكية على الاطلاق. وتعمل وكالة الأمن القومي NSA بمراقبة كل الاتصالات الخاصة والحكومية في العالم من خلال تقنيا عالية التطور والتعقيد، حيث تعتبر الذراع الالكتروني الذي يسترق السمع على العالم لحساب الاستخبارات الامريكية. وقد قامت هذه الاستخبارات بتحذير كلينتون من أن سفارة دولة أجنبية معينة كانت تتنصت على مكالماته الهاتفية مع مونيكا لوينسكي Monica Lewinsky، ممّا دفعه إلي الكف عن تلك المكالمات. وعندما أنكر الاتحاد السوفييتي أنه قام بإعطاء الأوامر لإسقاط الطائرة الكورية المدنية التي كانت تحلق فوق منطقة روسية، قامت وكالة الأمن القومي NSA بعرض الشريط الصوتي الكامل الذي يحتوي الاتصالات التي دارت بين قائد طائرة الميغ MiG الروسية وبين محطة القيادة الأرضية حيث كانت محطة القيادة تعطي أوامرها للطيار بإطلاق النار على الطائرة المدنية الكورية وإسقاطها.

وحتي في المراحل الاولي من عصر التقاط الصور بالأقمار الصناعية، كان بإمكان وكالة الأمن القومي أن تحصي الدبابات السوفييتية عدداً، ومن خلال تقنية الصور الأولية كان بمقدورهم أن يحددوا جاهزية تلك الآليات للعمل. وتمتلك وكالة الأمن القومي، سفن تجسس في المحيطات، وأقمارا صناعية وطائرات أواكس AWACS تجوب أرجاء السماء على مدار الساعة، مغطية كل أنحاء العالم. ويتم اعتراض كل حركات الاتصال من الولايات المتحدة وإليها، كما تصنّف الرسائل التي يتم اعتراضها ومن ثم تُوجّه لمن هم معنيون بها. وفي مقر وكالة المخابرات المركزية CIA، ثبت جهاز المقارن Comparator على لوح من الغرانيت يزن 7 أطنان ليجعل آلية عمله الحساسة بمعزل عن اهتـزازات المبني. أما العـقل المدبر في مقر الوكالة في لانجلي Langley فهو عبارة عن مزرعة ديسكات كمبيوتر في غرفة تماثل مساحتها مساحة ملعب كرة قدم إضافة إلي سبع صوامع عملاقة تحتوي كل منها علي(6) آلاف شريط كمبيوتر مغناطيسي تقوم الروبوتات بتحميلها. وتتم تغذية عشرات الآلاف من صور الأقمار الصناعية في كمبيوترات فائقة السرعة Cray 4MP التي تعيد عرض رسوم كرتونية للشوارع والأسواق والبنايات أو أي شيء آخر تري الوكالة أو أي من عملياتها ضرورة لمراقبته. وتستطيع وكالات الاستخبارات اقتحام أجهزة الكمبيوتر الشخصية ونسخ المعلومات الموجودة عليها دون الحاجة إلي اقتحامها فعليا في مواقعها. وباستخدام شعاع صغير غير مرئي يرسل من محوّل على بعد مئات الأمتار من النافذة يتم تضخيم اهتزازات النوافذ وبالتالي تسجيل المحادثات التي تجري داخل الغرف. وهذا جزء لا يذكر إذا ما قورن بالمعجزات التقنية التي لا يتم نشرها على الملأ. ومع ذلك فقد أعلنت الولايات المتحدة مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) أن رجلاً يعيش في كهف على مبعدة عنهم تقدر بنصف محيط الكرة الأرضية هو المسؤول عن هذه الهجمات، وأن هذا الرجل الخارق قد تفوَّق على جيوش وكالات الاستخبارات المذكورة في مهاراته وذكائه. وهذا الرجل هو أسامة بن لادن، ووفقاً للرواية الامريكية الرسمية، فإن أسامة بن لادن من كهفه، قد تفوق على القوة العظمي الوحيدة في العالم. وقد طالب هذا العالم امريكا بتقديم الدليل، ولكن شيئاً لم يُقدَّم.

إمبراطورية امريكية

ساعد إشعيا بومان Isaiah Bowmanالذي قاد مجموعة دراسات الحرب والسلام والتي أنشـأت ولادة نظام ما بـعد الحرب العالمية الثانية، روبرت ستروز ـ هوب Hupe-Robert Strausz الذي أسس، بدوره، عام 1955 معهد بحوث السياسة الخارجية FPRI والذي قام عام 1957 بإصدار نشرة فصلية باسم أوربز Orbis)، التي تخصصت في الشؤون الدولية. ولقد كان في هيـئة التحرير لهـذه المجلة وليم ياندل إليوت William Yandell Elliot رئيس كلية سياسات الدولة في جامعة هارفارد، وتلميذه، آنذاك، هنري ألفرد كيسنجر Henry A. Kissinger! ولقد كانت المهمة المعلنة لمعهد بحوث السياسة الخارجية المذكور ونشرته الربع سنوية هي الدعوة إلي إقامة إمبراطورية امريكية، والتخلي عن سيادة الدول والدولة القومية، خاصة في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي! ولقد تمت إعادة نشر المقالة الرئيسة لأول عدد لمجلة أوربزOrbis بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في شتاء 1992، علماً بأنها نشرت للمرة الاولي في العدد الأول للمجلة عام 1957 أي قبل 35 سنة من انهيار الاتحـاد السـوفييتي. وعـنوان المقالة هو موازين الغد Balance of Tomorrow وجاء فيه: إن مهمة الولايات المتحدة هي توحيد العالم بأكمله تحت قيادتها خلال هذا الجيل. أما سرعة وكفاءة تحقيق الولايات المتحدة لهذا الهدف فسوف يقرر مصير الحضارة الغربية وبالتالي المصير البشري… فهل سيكون النظام العالمي الجديد القادم هو إمبراطورية عالمية امريكية…؟ يجب أن يكون الأمر كذلك لدرجة أن تحمل الإمبراطورية العالمية تلك دمغة الروح الامريكية . أما التهديد لهذه الرؤية وهذه الإمبراطورية الامريكية فسيأتي من آسيا كما جاء في مقال أوربزOrbis: أما الإمبراطورية الامريكية والجنس البشري فسوف لن يكونا متضادين، بل هما اسمان لشيء الواحد هو النظام العالمي الجديد . إن ما جاء في رسالة الستين امريكياً ومنهم صامويل هنتنغتون Samuel Huntington صاحب صدام الحضارات The Clash Of Civilizations التي تدعو لتبني القيم والمعايير الامريكية لتكون قيم العالم بأجمعه هي نفس الرسالة التي جاءت بها مقالة أوربز المذكورة أعلاه. لقد كُتبت رسالة الستين بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 وهي متممة للرسالة التي بدأتها أوربزOrbis عام 1957 علماً بأن أكثر خريجي كلية السياسة الحكومية لجامعة هارفارد كانوا أعضاء في المجلس الاستشاري لمعهد أبحاث السياسة الخارجية ومنهم: إليـوت Elliot، كيسنجر Kissinger ، بريجنسكي Brzezinski، لويس Lewis، برنارد Bernard وحتي صامويل هنتنغتون Samuel Huntington نفسه. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح النظام العالمي الجديد هو تحقيق إمبراطورية امريكية عالمية تعمّها المثل والقيم الامريكية.

في الثالث والعشرين من آب ( أغسطس) 1990، أي بعد ثلاثة أسابيع مـن اجتياح العراق للكويت، استخدم برنت سكاوكروفت Brent Scowcroft مستشار الأمن القومي NSC في عهـد الرئيـس جورج هـيربرت ـ ووكـر بوش George Herbert ـ Walker Bush (الذي سنسميه بوش الأول) مصطلح النظام العالمي الجديد للمرة الأولي حيث خاطب الصحافيين قائلاً: إننا نؤمن بأننا سنقيم أركان النظام العالمي الجديد على أنقاض العداء الامريكي ـ السوفييتي الذي كان قائماً أما رئيسه بوش الأول، فقد خاطب الكونغرس الامريكي بعد ذلك بعدة أسابيع في 11 ايلول (سبتمبر) 1990 قائلاً: لقد ابتدأت شراكة جديدة بين الدول… إن الازمة القائمة في الخليج الفارسي، على خطورتها ودمويتها، تمنحنا فرصة نادرة… من خضم هذه الأوقات العصيبة… قد يولد نظام عالمي جديد . أما الاختصاصي الرئيسي في الشؤون السوفييتية الذي كان يعمل تحت إمرة سكاوكروفت Scowcroft فهي كوندوليزا رايس Condoleeza CondiRice التي كانت تراقب الاتحاد السوفييتي من الداخل والخارج، حيث رأت أنه بات متهالكاً. وقد قامت برسم خطة للأحداث وكيفية التعامل معها، لضمان سقوط كل أجزاء الاتحاد السوفييتي في الأماكن التي تريد الولايات المتحدة لها أن تسقط فيها. وقد أورد سكاوكروفت في كتابه عالم متحول A World Transformed، أن كوندي رايس كانت تترأس فريقاً للأمن القومي، وقد قدمت توصياتها وآراءها بأن من الممكن أن تمارس الولايات المتحدة نفوذها على موسكو، نظراً لحاجة الاتحاد السوفييتي إلي الموارد الاقتصادية والتقنية التي يمتلكها الغرب . وفي مذكرة مساندة في نفس الوقت، ذكرتنا كوندي بأن الاتحاد السوفييتي كان يعيش حالة من الاضطرابات والغليان، وأنه كان يرنو إلي العالم الخارجي ليقتبس منه الأفكار والموارد، في محاولة منه لإعادة بناء نظامه المتهاوي. وقد بدا لنا أنه كان بمقدورنا استغلال ذلك الوضع لإحداث تغييرات جذرية وإحراز تقدم كبير في كامل الأجندة الامريكية ـ السوفييتية. وبناء على التوصيات المقدمة من رايس في مجلس الأمن القومي، قررت إدارة الرئيس بوش الأول أن الاتحاد السوفييتي/روسيا لن يتلقي أي دعم من الولايات المتحدة، ما لم تخضع روسيا بشكل كامل لشروط الاقتراض من صندوق النقد الدولي ، ولأسلوب العلاج بالصدمة الذي يتبناه الصندوق، تماماً كما هو الحال مع بنغلادش أو نيجيريا. وقد هوي هذا العلاج بالصدمة بالاقتصاد الروسي إلي أسفل سافلين بعد أن حوّله من اقتصاد دولة عظمي في حالة ركود إلي اقتصاد دولة من دول العالم الثالث، ليتقلص إلي أقل من إجمالي الناتج المحلي لدولة متطورة صغيرة مثل هولندا وذلك بعد عقد كامل من الإصلاحات! وقد قام الفريق السوفييتي والأوروبي، بمـن فيهم رايس نفسها في مجلس الأمن القومي NSC، بوضع الشروط اللازمة لتبني ألمانيا لمعاهدة ماستريخت Maastricht إلي جانب تبني العملة الأوروبية الموحدة، اليورو EURO. أما السيطرة على النفط العالمي، (الذي سنفرد له فصلاً خاصاً لاحقاً)، فكان على رأس الأولويات على أجندة هذا النظام العالمي الجديد. ولقد كانت حرب الخليج الأولوية الاولي لهذا النظام العالمي الجديد، حيث كان العراق إلي جانب بقية دول الخليج المنتجة للنفط أولي الضحايا التي قدّمت لهذا النظام الجديد. فقد دُمِّر العراق، بينما سقطت المملكة العربية السعودية، وهي أكبر منتج للنفـط، في فخ الديون. أما أوراسيا Eurasia، بما فيها أفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً في آسيا الوسطي، فقد كانت ثاني الضحايا في إطار السيطرة على النفط العالمي.

ومن المفارقات أن أول إعلان عن نظام عالمي جديد قد صدر قبل 50 عاماً من إعلان بوش الاول في الكونغرس عن نظامه العالمي الجديد. فقد استخدم أدولف هتلر Adolph Hitler اللغة ذاتها حيث قال: أنا على يقين تام من أن عام 1941 سيكون عاماً حاسماً في فتح الطريق أمام نظام جديد عظيم في أوروبا. سوف تكون أبواب العالم مشرعة للجميع … ستساعد هذه السنة في توفير الأساس اللازم لتفاهم حقيقي بين شعوب الأرض، بما يضمن المصالحة بين كافة الشعوب والأمم.

وفي عهد الرئيس كلينتون، كانت أجندة تركيبة قوي الظل منصبّة، بشكل رئيس، على تشكيل صيغة واحدة للرأسمالية: وهي النسخة الانغلو ـ سكسونية، وهي بدورها العلامة المسجلة الأنكلو ـ امريكية. وقد بدأت وزارة الخزانة في الولايات المتحدة الامريكية بإصدار أوامرها، مستخدمة صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي أدوات لإحداث ما تسعي إليه من تغييرات. فقد بدأ تآلف وزارة الخزانة الامريكية بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين والمسـمي بإجـماع واشنطن Washington Consensus بمطالبة روسيا بتبني النموذج الانكلو ـ سكسوني للرأسمالية … بينما طلب من أوروبا التخلي عن برامجها الاجتماعية والنموذج الخاص الذي تعتمده للرأسمالية. أما النسخة اليابانية من الرأسمالية، التي كانت تحظي بقبول امريكي إبان الحرب الباردة، فلم تعد محط قبول الآن وفقاً للنظام العالمي الجديد. فلا بد لليابان أن تتغير، وبخاصة أن النموذج الذي تتبناه كان يمثل تهديداً من حيث أن نموذجها الاقتصادي كان يعتبره البعض نموذجاً يحتذي به ويجب نسخه وتقليده، لا سيما من قبل الصين، وهو الأمر الذي تعتبره واشنطن كارثة ساحقة ستنزل على نظامها الاقتصادي إذا ما تحقق ذلك. كما أنه قد تم تنظيف أوروبا من الدول المسلمة، حيث تم احتواء الشعوب المسلمة في البوسنة وكوسوفا وألبانيا، ضمن هيكلة الخطة الجديدة الرئيسية للنظام العالمي الجديد في أوروبا. وسقط الاتحاد السوفييتي، ولكن سقوطه كان منظماً وتحت السيطرة حيث سقطت كل أجزائه في أماكنها الجديدة، وفقاً للخطة الرئيسية الاقتصادية والجغرافية السياسية للنظام العالمي الجديد.

وطبقاً لخرائط العالم التي يتضمنها كتاب صراع الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي، فإن العالم قد مّر بثلاث مراحل حاسمة:

الفترة الأولي: امتدت من سنة 1500 للميلاد واستمرت 400 عام حتي النصف الأول من القرن العشرين. وسيطر الغرب خلال هذه الفترة على مقدرات العالم، وشكلت الدول القومية نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب ضمن الحضارة الغربية، حيث قامت تلك الدول بالتنافس والتفاعل وشـن الحروب بين بعضها البعض. وقد توسعت هذه الدول القومية الغربية، وقامت باستعمار حضارات أخري والتأثير فيها. أما ما لم يخلص إليه هنتنغتون فهو أن الحضارة الغربية قد ولّدت أبشع الحروب وأكثرها مأساوية في التاريخ، وأن ضراوة ووحشية تلك الحروب كانت دوماً من حرب إلي أخري، تصبح أكثر تدميراً وذلك في تناسب مباشر مع الحضارة الغربية وحداثتها. فكلما زادت الحداثة الغربية، زادت إمكاناتها وزادت تبعا لذلك لاإنسانيتها ووحشيتها.

الفترة الثانية: كانت عصر الحرب الباردة، التي انقسمت فيها السياسات العالمية إلي قطبين اثنين وقوتين رئيسيتين، بينما اندلعت الحروب الضارية في معظمها في دول العالم الثالث مثل كوريا، فيتنام والشرق الاوسط.

الفـترة الثالثة: ومع سقوط الاتحاد السوفييتي وانهياره وفي نهاية عقـد الثمانينات، أصبـح النظام العالمي الذي ساد إبان الحرب الباردة طي النسيان ومجرد تاريخ فقط حيث حلّ محله النظـام العالمي الجديد الحـضاري. إن لمثل هذا النظام قواعده الصارمة الخاصة به. إن الحضارات الكبري التسع في العالم هي: الغربيـة، الأمريكية اللاتينية، الأفريقية، الإسلامية، الصينية، الهندية، الأرثوذكسية، البوذية، واليابانية.

وسوف يلاحظ من الاقتباسات التي سنوردها على لسان مهندسي هذا النظام العالمي الجديد، أن هناك إجماعاً على مبدأ ينص على عدم السماح لأية حضارة أو مجموعة من الحضارات الكبيرة والدول التي تمثلها أن تصل إلي حالة الدولة العظمي . لقد تمكن الاعتداء الغربي على أفغانستان وآسيا الوسطي من دقّ إسفين فرقة بين القوي غير الغربية الأخري مثل الصين، روسيا، الهند واليابان، بحيث لا يكتب لها أن تتواصل فيما بينها أبداً. وقد تحققت هذه الرغبة الغربية بسرعة البرق في خلال بضعة أشهر بعد هجمات 11 ايلول (سبتمبر)، وهذا سبب آخر يدعونا إلي الإيمان بأن أحداث 11 ايلول (سبتمبر) كانت أكثر من مجرد صدفة أو حدث عابر.

وطبقاً لما يقوله هنتنغتون، فإن التنافس بين القوي العظمي سيزول ليحل محله صراع الحضارات. فلو لم تسمح القوي العظمي الوحيدة في أيامنا هذه بظهور قوي عظمي أخري، فإن الصراع المستقبلي سيكون قائماً بين الحضارات، وستصبح السياسات المحلية سياسة عرقيات، بينما ستمسي السياسات الدولية سياسة حضارات.

يشتمل هذا الكتاب على معلومات قيّمة جداً لا بد وأنها تطلبت أبحاثاً هائلة، لكن الكتاب يخلص في الوقت نفسه إلي كثير من النتائج التي يجب إعادة النظر فيها. فالاستنتاج الذي يقول إن الصراعات بين الحضارات ستكون السبب الرئيس دون غيرها من الأسباب، لكافة الصراعات، بما في ذلك الاعتبارات الاقتصادية، هو أمر لا يمكن للكثيرين القبول به.

2 ـ زبيجنيو بريجنسكي

أحد أركان مؤسسة الأمن القومي وتركيبة قوي الظل في النظام الرأسمالي. وقد وضع كتابه عام 1997 والذي حمل اسم رقعة الشطرنج الكبري ـ السيادة الأمريكية وقواعدها الجيو ـ استراتيجية . يقول بريجنسكي إن الجائزة الكبري التي حازت عليها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة هي أوراسيا، وبصفتها القوة العظمي الوحيدة الآن، فإن بإمكان الولايات المتحدة أن تسيطر على مقدراتها، فلن يسمح لأية قوة عظمي أو تحالف قويً مثل روسيا، الصين أو الهند بالسيطرة عليها. ويبدو أن هذا هو الهدف المنشود الذي كان وراء أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، وقد تحقق فعلاً.

في عام 1998، كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يواجه تهماً بالتقصير والخيانة الزوجية، حيث استمتعت الولايات المتحدة الأمريكية، إلي جانب شعوب العالم، بالروايات الإباحية عن مغامرات كلينتون وعلاقاته غير الشرعية، الأمر الذي كلف لجان التحقيق ونقل وقائعه مئات الملايين من الدولارات. وعلى ذلك، قام بوش الأول، بالتنسيق مع تركيبة قوي الظل، بالتردد على أصدقائه المقربين وبدء الاستعدادات لترشيح وانتخاب نجله جورج دبليو بوش للرئاسة، والذي يشغل منصب حاكم ولاية تكساس.

وقد عمل بوش الأول منذ مطلع عام 1998 على ضمان التنسيق والمساعدة من مستشاره السابق لشؤون الامن القومي، برنت سكاوكروفت، ووزير الخارجية السابق في عهد ريغان جورج شولتز، وذلك لترشيح نجله جورج دبليو بوش- وهو بوش الصغير ـ للرئاسة الأمريكية. لقد كانت الأجندة الجديدة تسعي إلي الضغط من أجل تنفيذ المرحلة التالية من النظام العالمي الجديد. ولهذا السبب، التقي حاكم تكساس بوش الصغير مع كوندوليزا رايس للمرة الأولي في مقر إقامة شولتز في بالو آلتوPalo Alto في كاليفورنيا، حيث كان شولتز ورايس زميلين في معهد هوفر وفي صيف 1998، انطلقت رسمياً حملة جورج دبليو بوش الرئاسية حيث ظهر جنباً إلي جنب مع والده بوش الأول وكوندوليزا رايس في المقر الذي تقضي فيه عائلة بوش عطلاتها في كينيبوركبورت وبعد ذلك، قام شولتز وديك تشيني بتعيين بول ولفويتزالذي عمل في وزارة الدفاع تحت إدارة تشيني في عهد الرئيس بوش الأول. أما سكاوكروفت فقد كان موجودا دائما في خلفية الأحداث.

ومنذ خريف عام 1998، عكف بوش الابن ورايس ولفويتز على عقد اجتماع ثلاثي مساء كل أحد يضمهم وحدهم فقط وذلك لغرض وضع خطة العمل للأسبوع القادم. أما في صبيحة الإثنين التالي، فإن اجتماعاً أكبر كان يُعقد لفريق أكبر وذلك لبحث تفاصيل تنفيذ أجندة الأسبوع التي وضعها الثلاثي المكوّن من بوش الصغير ورايس ولفويتز. أما ذلك الفريق الأكبر فكان مكوّناً في معظمه من رموز كبري سابقة في إدارة الرئيس بوش الأول والذين تفاوتوا ما بين أولئك المخلصين المؤمنين بالنظام العالمي الجديد إلي زمرة اللوبي الصهيوني مثل ريتشارد آرميتاج، ريتشارد بيرل، ودوف زاكهايم وبعد أن فاز بوش الصغير وتشيني بالانتخابات، تم تعيين بقية المشاركين، الذين ذكرت أسماؤهم آنفاً، في مناصب حساسة في إدارة الرئيس بوش الصغير الجديدة وذلك لاستكمال مهمتهم في تنفيذ المرحلة التالية من إعادة صياغة وتشكيل النظام العالمي. ووفقاً للخطة الرئيسية التي صاغتها ووضعتها تركيبة قوي الظل ولهذا السبب، فإن أعمالهم وكتاباتهم التي سبقت وصولهم إلي مناصبهم، ستكون غاية في الأهمية سيما وأن تلك الأعمال ستكون مصوغة بلغة أقل دبلوماسية مما سيكون عليه الحال بعد توليهم مناصبهم. ولسوف تكون المعلومات الشخصية التي سنسوقها الآن حول هذه الرموز البارزة مفيدة في كشف شخصياتهم:

3ـ كوندوليزا رايس

أصبحت فيما بعد مستشارة الأمن القومي في إدارة الرئيس بوش الثاني، ولدت في بيرمنغهام، ألاباما في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1954 انتقل والدها إلي دنفر، كولورادو بسبب الأعمال العنصرية والفصل العنصري التي مورست ضد السود في الجنوب وتصاعد التوترات بين البيض والسود. أصبح والدها بروفيسوراً في جامعة دنفر. حصلت رايس على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية عام 1981 من جامعة دنفر، حيث تبناها برعايته البروفيسور جوزيف كوربل أستاذ العلاقات الدولية.

انتقلت رايس بعد ذلك إلي التدريس في جامعة ستانفورد حيث أصبحت وبسرعة هائلة أستاذاً متفرغاً. ثم التحقت بمعهد هوفر للحرب والسلام والثورة وظلت فيه حتي أصبحت زميلاً أول وبصفتها عضواً في مجلس العلاقات الخارجية، انتقلت إلي واشنطن دي.سي حيث عملت على التخطيط النووي الاستراتيجي في رئاسة الأركان المشتركة. وانضمت عام 1989 إلي مجلس الأمن القومي NSC لتعمل تحت إدارة برينت سكاوكروفت بمنصب الاختصاصية الأولي للشؤون السوفييتية. وفي ايار (مايو) 1990، تمت ترقيتها لتصبح المدير الأعلى في مجلس الأمن القومي للشؤون السوفييتية والشرق أوروبية. وفي التاسع من آب (اغسطس) 1990، أي بعد أسبوع من الغزو العراقي للكويت وتدشين النظام العالمي الجديد، حصلت على ترقية جديدة أصبحت تشغل مقتضاها منصب المساعد الخاص للرئيس بوش الأول. وقد قامت بالإشراف على السنوات الحاسمة، التي شهدت تحوّل الاتحاد السوفييتي من قوة عظمي إلي دولة على غرار دول العالم الثالث، باختلاف أن لها أسناناً نووية لا أكثر. وفي الفترة التي فصلت ما بين تركها لإدارة الرئيس بوش الأول والتحاقها بالحملة الانتخابية لبوش الصغير، عملت رايس بكل وفاء لخدمة المؤسسات المالية والنفطية الكبري من مختلف الجنسيات حيث أنها كانت عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات من بينها شركة شيفرون النفطية، هيوليت باكارد، وتشارلز شواب، إلي جانب عملها في المجلس الاستشاري الدولي في جيه بي مورغان. ونورد من آرائها ووجهات نظرها ما يلي:

تؤمن في العلاقة الخاصة جداً بين بريطانيا والولايات المتحدة. بريطانيا تكاد تكون أقرب حلفائنا في العالم، وبرأيي أنها ستكون موضع ترحيب في أية شراكة تجد فيها الولايات المتحدة لنفسها مصلحة .

وتنص وجهة نظرها الجيو- استراتيجية أنه على الولايات المتحدة أن تحول دون قيام أية قوة أخري وذلك للسيطرة على الأراضي الحيوية استراتيجيا في أوراسيا .

4 ـ بول ولفويتز

عين ولفويتز نائباً لوزير الدفاع في إدارة الرئيس بوش الصغير. كما أنه قد عمل وكيلاً لوزارة الدفاع زمن الرئيس بوش الأول حين كان ديك تشيني يشغل منصب وزير الدفاع، وهو معروف جداً على أنه أحد مهندسي النظام العالمي الجديد الرائدين. وهو نشط جداً في شبكة من اللّوبيات والمعاهد وأصحاب المخططات والعقول المدبرة، مثل المعهد اليهودي للامن القومي، والعقول المدبرة في اللوبي الإسرائيلي المهيمن على الأيباك، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني WINEP، والمعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الاميركي للمشاريع، ومبادرة الأطلسي الجديدة.

إن رعاة هذه المنظمات التي تعمل لصالح تركيبة قوي الظل هم الذين يضعون الأجندة ويختارون المرشحين للكونغرس وللإدارة الأمريكية من البيروقراطيين، الذين يندرجون تحت لواء تلك المعاهد والمؤسسات، وذلك لتطبيق السياسات التي يصوغها مالكو تركيبة قوي الظل. وقد وردت النظريات التي آمن بها ولفويتز في العديد من الدراسات والأبحاث والمحاضرات، اما أكثرها وضوحاً فقد كان الإرشاد الذي قام به حول التخطيط الدفاعي عام 1992، عندما كان لا يزال وكيلاً لوزارة الدفاع للسياسة وذلك زمن الرئيس بوش الأول.

*صرح ولفويتز في الإرشاد الذي قدمه حول التخطيط الدفاعي، والذي يتعامل مع النظام العالمي الجديد، إن هدفنا الأول هوالحيلولة دون نشوء منافس جديد سواء في أراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً أو في أي مكان آخر يمثل تهديداً كذلك الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي. علينا أن نبذل جهداً جباراً في السياق ذاته لنمنع أية قوة عدوانية من السيطرة على هذه المنطقة، التي تكفي مصادرها، إذا ما تضامنت معا بشكل جيد، لتوليد قوة عظمي. وتشمل هذه المنطقة أوروبا الغربية، شرق آسيا، وأراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً، وجنوب غرب آسيا. لذا فإن النظام العالمي الجديد يدعو إلي الحفاظ على القوة الأمريكية أحادية الجانب.

*إن القوة الأمريكية أحادية الجانب unilateralism هذه في شكل إمبراطورية أمريكية، تتطلب من الولايات المتحدة أن تظهر روح القيادة اللازمة لتأسيس وحماية نظام جديد يحمل في طياته الوعد بإقناع منافسينا المحتملين بأنه لا يتعين عليهم ولا حاجة لهم بأن يلعبوا دوراً أكبر من الذي يلعبونه الآن، أو أن يسعوا إلي معاداة الآخرين حتي لو كان ذلك في سبيل حماية حقوقهم ومصالحهم الشرعية.

*في الشأن العراقي: كان ولفويتز وراء محاولات الاغتيال المتكررة التي استهدفت الرئيس العراقي صدام حسين، كما طور إلي جانب ديك تشيني خطة عام 1991 أطلق عليها عملية العقرب Operation Scorpion للقيام بغزو بري للعراق. ومرة أخري، خطط ولفويتز لغزو شمال العراق انطلاقاً من تركيا، حيث أطلق على تلك العملية عملية المطرقة . وفي عام 1997، وضع ولفويتز والجنرال وين داوننغ مسودة خطة ضد العراق باستخدام المعارضة العراقية التي تتخذ من لندن مقراً لها.

5ـ برينت سكاوكروفت

وهو مساعد مقرب جداً من هنري كيسنجر، ويعتبره بعض الناس ربيبه (أو من محاسيبه). ثم جيء به إلي مجلس الأمن القومي كنائب مساعد لكيسنجرعام 1973. واختاره كيسنجر ليكون خليفة له مستشاراً لشؤون الأمن القومي للرئيس جيرالد فورد . ثم شارك فيما بعد في إنشاء مؤسسة هنري كيسنجر الشخصية للإستشارات تحت اسم كيسنجر أسوشيتس كشريك ونائب لرئيس مجلس الإدارة. ثم أصبح سكاوكروفت مستشاراً للرئيس بوش الأول لشؤون الامن القومي، حيث أشرف على التخطيط لحرب الخليج ووضع هندسة النظام العالمي الجديد. وبعد أن خسر بوش الأول الانتخابات لولاية ثانية، شارك سكاوكروفت في عدد من المناصب منها شركته الخاصة للاستشارات، والمنتدي غير الربحي للسياسة الدولية الذي كان يرأسه لورانس إيجيلبيرغ، وهو ربيب آخر لكيسنجر. أما مجلس الامناء فكان يضم كولن باول، كوندوليزا رايس، دوين أندرياس، وهو رئيس كارتل، وأخيراً رئيس مجلس إدارة شركة إنرون كينيث ليه.

6ـ ديك تشيني

زكّاه برينت سكاوكروفت لمنصب وزير الدفاع في عهد جورج بوش الأول. وقد كان تشيني رئيساً لموظفي البيت الأبيض أثناء ولاية الرئيس فورد عندما كان سكاوكروفت مستشاراً لمجلس الأمن القومي في الوقت نفسه. وقد أصبح تشيني خلال الفترة بين عامي 1979ـ 1989 عضواً في الكونغرس عن ولاية وايومنغ وقد عمل مسبقاً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة جورج تاون في واشنطن دي.سي. وكان عضواً في المجلس الاستشاري إلي جانب كيسنجر وسكاوكروفت. ومنذ عام 1995، إلي أن أصبح نائباً للرئيس بوش الصغير، عمل مديراً تنفيذياً لشركة هالبيرتون العملاقة للخدمات النفطية، والتي تتخذ من ولاية تكساس مقراً لها، والتي انضمت إلي شركة بريتيش بتروليوم في صفقة استثمارية في آسيا الوسطي بلغت قيمتها 12 مليار دولار بعد 11 سبتمبر.

إن أولئك الذين عملوا في الصف الثاني أثناء حملة بوش الصغير الانتخابية قد احتلوا مناصب قيادية في إدارته. وكان من بين هؤلاء ريتشارد بيرل، ريتشارد أرميتاج ودوف زاكهايم الذين شغلوا مناصب مهمة في دوائر وزارة الدفاع، ويعتبرون من المؤيدين المحسوبين على المنظمة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة AIPAC وسياستها المؤيدة لللّوبي الصهيوني وسياسات آرييل شارون المتطرفة.

وقد عين بوش الصغير ريتشارد بيرل رئيساً لمجلس السياسة الدفاعية. أما الأعضاء الذين يسيطرون على المجلس فهم من الأنكلو ـ أمريكيين المتطرفين والمتعصبين للجغرافيا السياسية لإسرائيل، بمن فيهم هنري كيسنجر، نيويت غينغريش، وآر. جيمس وولسي (المدير السابق للمخابرات المركزية)، وديفيد جيريمياه (النائب السابق لرئيس الأركان المشتركة)، دان كويل (نائب الرئيس الأمريكي السابق)، جيمس شليسنجر وزير دفاع وطاقة سابق وهارولد براون وزير دفاع سابق.

دفعت اللجنة الثلاثية Trilateral Commission بكثير من أعضائها ليصبحوا رؤساء أمريكيين. فمنذ إنشائها عام 1973، كان كل من الرؤساء كارتر، بوش، وكلينتون من أتباع اللجنة الثلاثية. وأثناء اجتماع لهذه اللجنة في 19/3/1999 في واشنطن دي.سي، قدم روبرت زوليك، وهو متحمس آخر للصهيونية، تقريراً بعنوان استراتيجيات اللجنة الثلاثية للقرن الحادي والعشرين: في السلم أو الحرب ، دعا فيه إلي التهيؤ لمواجهة نزاع عسكري مع الصين . وهذا يجب أن يفسر السبب في نشر القواعد العسكرية والقوات في الدول المجاورة للصين في آسيا الوسطي وأفغانستان بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، كجزء من الخطة الرئيسية للنظام العالمي الجديد والتي حبكت خيوطها قبل أحداث 11 ايلول (سبتمبر).

وعقد الحزب الجمهوري مؤتمره للبرنامج السياسي كما سيكون في عهد الرئيس بوش الصغير في فيلادلفيا في3/8/2000، حيث احتضن سياسات النظام العالمي الجديد، وهي ذات السياسات التي عبرت الشخصيات السابق ذكرها عنها خلال الفترة من 1989 الي 1992 في عهد بوش الأول وباركتها الأيدي الأمنية في تركيبة قوي الظل مثل صاموئيل هنتنغتون. وقد أصبح مبدأ صراع الحضارات السياسة هو المعتقد الرسمي لهم.

* زعم البرنامج والقائمون عليه أن الازدهار الاقتصادي الأمريكي خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان من بنات أفكارهم، وأنه جاء نتيجة لتخفيضات الضرائب والتجارة الحرة وتخفيف القوانين المتعلقة بالصناعات، وهكذا جاء الاقتصاد الجديد.

* إن التجارة الحرة عبارة عن خط مستقيم أو شارع باتجاه واحد بالنسبة لأميركا. لن نتحمل الممارسات الأجنبية والقوانين وبرامج الدعم التي تجعل صادراتنا على درجة غير عادلة من المعاملة.

* لقد تم تمرير سياسات خارجية خطيرة دون أي نقاش. أن أحادية الولايات المتحدة ووضعها كالقوة العظمي الوحيدة في العالم يجب المحافظة عليهما. وقد جاء نورمان شوارتسكوف قائد حرب الخليج بأجواء الحرب إلي البرنامج حيث تحدث من خلال الاتصال بالفيديو من السفينة الحربية نيوجرسي أثناء انعقاد مؤتمر الحزب.

* عرف البرنامج الدول المارقة Rogue States بأنها العدو الجديد. كما أنه لم يتم تعريف كلمة المارقة Rogue وترك أمر ذلك إلي خيال وخطط تركيبة قوي الظل.. الخ.

من دولة عظمي إلي دولة مافيات عظمي

في الثمانينيات من القرن العشرين، أطلق رجل يدعي ميخائيل غورباتشوف حركة لم تنته أو تتوقف حيث اعتقد أنها ستتوقف، وسواء أكان يعمل وحده علانية أم في الخفاء مع غيره، فإن الحركة التي أطلقها لتعم أرجاء الاتحاد السوفييتي كانت القشة التي قصمت ظهر هذا النظام، وتسببت في انفراط عقد الاتحاد السوفييتي وانهياره، وانهيار الشيوعية، ثم انهيار غورباتشوف نفسه.

أما الآن، فإن غورباتشوف يظهر على شاشة التلفزيون كفتى إعلانات لأحد منتجات البيتزا لإحدي الشركات الرأسمالية الاستهلاكية. وبالتأكيد، فليست هذه هي النهاية التي توقعها عندما بدأ بالبيرسترويكا perestroika ولكنها قد تكون النهاية التي يستحقها فعلاً.

لو كان الهدف من البيرسترويكا هو إصلاح سد للمياه، فإن بيرسترويكا غورباتشوف قد قوضت جدران هذا السد، دون أن تحسب حساباً لمصير المياه. لقد اجتاحت هذه المياه الجميع بمن فيهم أولئك الذين هدموا السد. وأصبح في روسيا بعد عقد من البيرسترويكا ملايين المتقاعدين الكبار في السن والذين لا يستلمون رواتبهم التقاعدية بالإضافة إلي ملايين العمال الذين لم يتسلموا أجورهم منذ عدة أشهر. لقد انتهي عهد الاقتصاد الشيوعي الموجه ليحل مكانه اقتصاد موجه آخر تديره المافيا. ففي عام 1997، سيطر شخص في السابعة والثلاثين من عمره، على إمبراطورية كاملة من الشركات الصناعية والبنوك والشركات الإعلامية الكبري، بما يعادل 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لروسيا! وكان الرئيس بوريس يلتسين قد وصف روسيا عندما كان يرأسها بأنها أكبر دولة مافيا في العالم . وفي مناسبة أخري، وصفها بأنها القوة العظمي للجريمة . إن ما أثبتته البيرسترويكا هو أن القوي العظمي يمكن أن تكون مصنوعة من ورق، وأن تحولها من وضع إلي آخر يمكن أن يتم بسرعة البرق. إن الحطام الذي نجم عن الانهيار الداخلي للاتحاد السوفييتي والأجزاء المتناثرة منه، قد استغلت من قبل قوة عظمي أخري قد تكون ساعدت على تسريع وتيرة انهيار الاتحاد السوفييتي، ولربما كان لدي هذه القوة العظمي خططها التي رسمت الأماكن التي سيحتلها كل جزء من أجزاء الاتحاد السوفييتي المتناثرة. كانت المافيا الروسية التي تطورت ونمت مؤخراً في الولايات المتحدة مستعدة للسيطرة على روسيا بأكملها، بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي واختفائه من خارطة الوجود.إن الرأسمالية والماركسية تشتركان في نفس منظومة القيم: عالم علماني تكون المادية القيمة المهيمنة فيه والنمو الاقتصادي هو الغاية من وجود المجتمعات الإنسانية. وأعلى كل من النظامين شأن نموه الاقتصادي حتي بات إلهه المعبود. كان الاختلاف الوحيد بين النظامين هو ملكية الثروة وتوزيعها. ولكن الماركسية كانت أحد إفرازات الثورة الصناعية للرأسمالية ولعلها لم تكن أكثر من تحذير دام سبعين سنة للرأسمالية وتعسفها. إلاّ أن الرأسمالية التي تجاوز عمرها الآن 500 عام تماماً كالماركسية قد فشلت في تحقيق السلام على الأرض، أو حتي تحقيق راحة البال لدعاتها وأنصارها.

دار كثير من الجدل حول الدور الذي لعبه ميخائيل غورباتشوف، سراً أو علانية، في انهيار الاتحاد السوفييتي والشيوعية. وليس ممكناً إغفال الدور الكبير الذي لعبه، وبخاصة أنه كان على رأس النظام عند انهياره. ولكن النظام نفسه الذي أوصله إلي هذا المنصب كان متصدعاً ومحكوماً عليه بالسقوط، حيث كانت علامات انهياره تلوح في الأفق منذ سنين خلت. ولقد وصف ديفيد ريمنيك، المراسل السابق لصحيفة واشنطن بوست في موسكو والحائز على جائزة بوليتزر، الاتحاد السوفييتي بقوله: بدا للجميع وكأن الاتحاد السوفييتي برمته تحكمه عائلة عملاقة من العصابات تعرف باسم C.P.S.U الحزب الشيوعي السوفييتي . ومنذ أواسط الثمانينيات خلصت الاستخبارات الروسية KGB إلي أن الاقتصاد الاشتراكي للاتحاد السوفييتي محكوم عليه بالفشل، وأبلغ أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي وكونستانتين تشيرننكو بذلك.

وأدت حمي سباق التسلح مع الولايات المتحدة إلي إفلاس ثورة لينين Lenin وتكشف مصادر استخباراتية غربية وأمريكية رفيعة المستوي الآن أنه ومع بداية عهد غورباتشوف، شرع جهاز الـKGB بإخفاء وتهريب أموال الحزب الشيوعي خارج الاتحاد الشيوعي. وفي خلال سنوات قليلة من تولي غورباتشوف مقاليد السلطة، تم تهريب حوالي 600 مليار دولار خارج البلاد عن طريق 2000 شركة تغطية أسستها الـKGB في كل أنحاء العالم. ووفقاً لما يورده ريتشارد بالمر Richard Palmer ، الذي كان مديراً لمكتب الاستخبارات المركزية الأمريكية في موسكو خلال السنوات الحاسمة ما بين عامي 1992 و1994، فإن جهاز الـ KGB اضطر إلي اللجوء إلي المافيا الروسية للتعجيل بإنجاز هذه العملية. وقام الجهاز بتزويدها بكافة المعدات التقنية بما فيها أحدث وسائل الاتصالات والمعدات ذات التقنية العالية.

أما روبرت فريدمان Robert I. Friedman، وهو مراسل تحقيقات أمريكي من أصل روسي، فكتب بياناً مذهلاً يفضح فيه الجريمة المنظمة الروسية في روسيا والولايات المتحدة. وقد تقصّي فريدمان الكيفية التي شكّل فيها المهاجرون اليهود الروس إلي الولايات المتحدة بعد عام 1972، المافيا الحمراء (الشيوعية) وهما الكلمتان اللتان كانتا عنواناً لكتابه الذي ألفه في هذا الموضوع. وسارع فريدمان إلي الاعتراف بأنه يهودي، وأن أجداده الأربعة كانوا يهوداً هاجروا من روسيا. ومن المسلّم به أن فريدمان كشف عن ديانته في مقدمة الكتاب ليدرأ عن نفسه أية تهمة بمعاداة السامية. هذه التهمة أصبحت عادة تستغل لابتزاز أي شخص يعبر عن رأيه، أو يدلي بحقائق قد لا تتوافق وأهواء بعض اليهود، بغض النظر عن مدي إجرام الجهة التي تتعرض للنقد.

ازدادت حدة حروب السيطرة بين عصابات المافيا. وطلبت المافيا الشيشانية الدعم والتعزيز من جمهورية الشيشان حتي أصبحت لهم اليد الطولي في موسكو ـ وغادر الأوليغاركيون الجدد المدينة. أما بقية العصابات اليهودية والسلافية والاميركية والجورجية ذات الهيمنة فقد بقيت تعيش حالة من التخبط والارتباك.

ويبدو أن المافيا والرأسمالية هما توأمان طفيليان يعيشان ويقتاتان على بعضهما. يقول المؤرخ ألبرت فرايد:

إن الأذكيـاء من أعضاء عصابات المافيا من عائلات آل كابـوني Al Capone ومو داليتز Moe Dalitz وماير لانسكي Mayer Lansky، من أشد المدافعين عن المعتقد الرأسمالي وأكثرهم ولاء له، وهذا ما ينطبق على أتباع أيديولوجية إدغار هوفر . إن هوفر الذي ترأس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لما يزيد على 50 عاماً، لم يعترف مطلقاً بوجود الجريمة المنظمة، لذا فإنه لم يقاومها على الإطلاق. وبدأ مكتب التحقيقات الفيدراليFBI على استحياء بالتقصي عن المافيا فقط بعد وفاة هوفر عام 1973، ولكن تطورا مثيرا حصل في ذلك العام وأدي إلي نشوء مافيا شيوعية حمراء أشد عنفا وضراوة، ألا وهي المافيا الروسية اليهودية التي تعرف باسم أورغانازاتسيا Organazatsiya .

وبعد إعادة انتخاب يلتسـين، رأي معظم الأوليغاركيين Oligarchs الذين حصلوا على ثرواتهم، من خلال تعاونهم مع الكريملين، وبطانته لسرقة ممتلكات الدولة رأي هؤلاء أنه بعد انتهائهم من جمع هذه الثروات، فإن عليهم أن يعملوا الآن على حمايتها. وطالب الغرب بإجراء تغييرات شكلية، على الأقل، إن لم تكن جوهرية. قال بوتانيان : إننا نشرف على نهاية مرحلة تحصيل الثروة ورأس المال وهي المرحلة الأولي من انتقال رأس المال الروسي. والآن بدأنا في المرحلة الثانية حيث نمتلك ونسيطر على الممتلكات (يقصد شركات النفط ومرافق الإنتاج والمصانع والاتصالات)… لا بد أن نجعلها مربحة ونعيد هيكلتها لتصبح مؤسسات نامية قابلة للتطبيق ونغير النظام. وكشف بوتانيان بعد ذلك أن شركاته وحدها تشكل ما نسبته 5 في المئة واحد على عشرين من إجمالي الناتج المحلي الروسي بأكمله!

وسرعان ما أصبح يلتسين بعد إعادة انتخابه، نزيلا دائما في المستشفيات حيث كان يتعرض باستمرار للخطر بسبب حالته الصحية المتدهورة. وبدأت الدوائر الداخلية في الكرملين التحضير لاستبدال يلتسين بالرجل الذي اختاروه، حتي يضمنوا أن مرحلة انتقال الرئاسة لن تؤثر سلباً على مصالحهم. وفي اليوم الأخير من الألفية الماضية، أعلن يلتسين بشكل مفاجئ في خطاب ألقاه في وقت متأخر من الليل استقالته، وتعيين ضابط الاستخبارات السابق فلاديمير بوتين رئيساً فعلياً. وكانت أولي الخطوات التي اتخذها بوتين هي منـح يلتسين وعائلته حصانة ضد ملاحقتـهم قانونيـاً. ويقـول ماثيو بيريزنسكيMatthew Brzezinski في كتابه كازينو موسكو : بدأ عهد بوتين بالبداية التقليدية ذاتها: وهي البحث عن أكباش الفداء. ومن حسن حظ اليهود في روسيا أن الشيشان أصبحوا هدفاً أكثر ملاءمة للهجوم. وألقيت مسؤولية عدد كبير من التفجيرات الغامضة للمنازل في موسكو أواخر عام 1999 على الإرهابيين الشيشان، الأمر الذي أدي إلي شن حرب ثانية عليهم. وأدّت هذه الحملة إلي التفاف الجماهير الروسية حول رئيسها الغامض الجديد الذي طار إلي جبهة الحرب مستقلاً طائرة حربية من طراز ميغ MiG، حيث ركب موجة النزعة الوطنية المشتعلة ليصبح وحيداً دون منازع في الانتخابات الرئاسية في شهر مارس من عام 2000. أما عن المنافسين المحتملين على الرئاسة، مثل لوجكوف، والذين واجهوا إعصاراً من المؤامرات التي كشفها أصدقاء بوتين في الشرطة، فقد قرروا عدم خوض الانتخابات هذه المرة.

وفي المرحلة الثانية من ثورة المافيا، قرر بوتين ومعظم الأوليغاركيين أن يحتفظ هؤلاء بالممتلكات التي سرقوها، نظير بقائهم بعيدين عن السياسة. ويبدو أن ذلك كان صعبا على فلاديمير غوزينسكي وبوريس بيريزوفسكي . كان الاثنان يستخدمان سلطانهما ونفوذهما الإعلامي، حيث كانا يملكان شبكات تلفزة محلية، إلي جانب العديد من الصحف. ولكن الطريقة التي يستغلان بها نفوذهما هذا ما كانت لتروق لبوتين ورفاقه، حتي قاموا بإبعاد كل منهما خارج البلاد. ولجأ غوزينسكي وبيريزوفسكي إلي استغلال جنسيتهما الإسرائيلية بشكل دائم. وتمنح المواطنة الإسرائيلية حسب القانون لأي يهودي، ولعل إحدي ميزات الجنسية الإسرائيلية تكمن في أن القانون لا يسمح تسليم المجرمين إلي بلاد ودول أخري. لذا، كان أمر تأمين جواز السفر الإسرائيلي بالنسبة للمافيا الروسية اليهودية أعظم أهمية من ضمان الحصانة عن طريق الترشيح لمجلس الدوما. فالحصول على جواز السفر الإسرائيلي أقل تكلفة وأكثر أمانا وأعظم هيبة ومكانة.

الاستعمار الجديد في قناع العولمة

إن مفهوم العولمة قديم قدم التاريخ، إذ لم يكن للعالم أية حدود إلاّ منذ فترة وجيزة فقط، فقد كان العالم يشرع أبوابه للجميع. لذا، فإن الكثير من الحضارات والاختراعات المعاصرة هي نتاج متراكم للتفاعل السلمي وغير السلمي على حد سواء بين الحضارات السابقة. ولم تعرف كل من الحضارة الرومانية والإغريقية والإسلامية أية حدود على الإطلاق. وكانت الحضارة الإسلامية، رغم انطلاقها من شبه الجزيرة العربية، عالمية بكل ما في الكلمة من معني. وقد أشارت آيات القرآن الكريم في أكثر من موضع إلي أن الإسلام يحمل رسالة عالمية شاملة تخاطب كافة الأجناس والأعراق بل الإنسانية جمعاء، فقد قال رسول الله محمد (صلي الله عليه وسلم): لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوي فخير الناس هو أتقي الناس سواء أكان عربياً، فارسياً، حبشياً، أسود أو غير ذلك من الأجناس. كما أن المجلس الذي أقامه النبي عليه الصلاة والسلام للشوري كان يتكون من سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي وصحابة من العرب أنفسهم، وبذلك يكون المجلس عالمياً ومتعدد الجنسيات.

لقد شكلت الحضارة العربية والإسلامية قوة عالمية عظمي ودولة امتد نفوذها ليصل من إسبانيا حتي الصين. وضمت الحضارة الإسلامية تحت لواء سيطرتها، مختلف العقائد والأعراق الذين وصل تعدادهم إلي مئات الملايين. وكما قالت كارلي فيورين، الرئيسة التنفيذية لشركة هيوليت باكارد، في خطاب ألقته عام 2001 ، فإن الإسلام كان الجسر الذي ربط بين شعوب أكثر من 100 دولة. كانت جيوشه تتكون من جنود من مختلف الجنسيات وأفضت الحماية العسكرية التي وفـّرها إلي درجة لم يشهدها التاريخ من قبل من السلام والازدهار.

إن ما أدي إلي تشويه عولمة اليوم ووصمها بالعار، هو ارتباطها الوثيق بالرأسمالية الأنكلو ـ سكسونية الداروينية المتسمة بالمغالاة والتطرف، واستخدامها لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة وتقنيات الإدارة، لبسط وفرض ثقافتها المنفرة، وحروبها وماديتها البحتة المنحرفة عن الأخلاق والمثل. لقد تمكنت العولمة الأنكلو ـ سكسونية المعاصرة من إدخال ونشر برامجها الداروينية، كما أنها أفرزت نظاماً اقتصادياً طفيلياً جديداً، تحفّه المخاطر من كل جانب، علاوة على عزمها فرض مفاهيمها ورؤاها أحادية الجانب، في الوقت نفسه الذي تتشدق فيه بالتعددية. أما أجندتها فهي محشوة بأعمال الإبادة الجماعية الوحشية، بينما هي تنادي بحقوق الإنسان. وتدّعي الديمقراطية وتوغل في الديكتاتورية. إنها تؤمن بالله، فقط إذا علمنا أن المال هو إلهها الوحيد.

وحسب التسمية فإن الرأسمالية تتمحور حول رؤوس الأموال، فالأقلية التي تمتلك رؤوس الأموال هي، بالتالي، التي تشكل مالكي الرأسمالية وكل المصادر الإنتاجية والبشرية الاخري، والتي أخضعتها لخدمة مصالح الرأسمالية، وبالتالي خدمة مصالح تلك الأقلية المتنفذة. ويتربع هذا المجتمع المالي الصغير على عرش النظام الذي يحكم العالم ويحركه كيف يشاء، بل إنه أيضاً الذي ينصّب وكلاءه ومفوضيه البيروقراطيين لإدارة دولته المحورية ، التي تفرض هيمنتها على العالم. وقد كانت بريطانيا هي هذه الدولة لعدة قرون خلت، أما الآن فهي الولايات المتحدة الأمريكية. وتقوم بريطانيا، في ظل ترتيبات استعمارية بارعة مع الولايات المتحدة، بتزويدها بخلاصة خبرتها الاستعمارية التاريخية، وموازينها الجغرافية السياسية للقوي، من خلال علاقة حميمة خاصة تمت صياغتها تحت رعاية تركيبة قوي الظل في المجتمع الدولي المالي الربوي. وتعمل الولايات المتحدة وبريطانيا في وقتنا المعاصر على تزويد بارونات المال بقواهم المؤسسية المحلية، لتعزيز سيطرة المجتمع المالي الاستعمارية على العالم بأسره.

لقد ساهم الانفجار المعاصر في تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في تسارع نمو ووحشية الرأسمالية الأنكلو ـ سكسونية، والتي وظفت تقنيات أكثر بشاعة وشيطانية لتحقيق المبادئ القديمة نفسها، التي تتبناها والتي لم تمسها يد التغيير في يوم من الأيام. ولم تكن الأيديولوجيا والمبادئ التي سادت في القرنين التاسع عشر والعشرين بمختلفة عن تلك التي شهدها ويشهدها القرنان العشرون والحادي والعشرون، إلاّ من حيث المنهجية والأسلوب. فبما أن المرابين الماليين من البارونات يكتسون صبغة دولية، فإنهم يديرون شبكة عالمية تمت معالجتها لتتكيف مع الزمن الذي تعيشه. فروتشيلد الألماني، على سبيل المثال، يمكن أن يصبح بكل سهولة روتشيلد فرنسيا أو روتشيلد بريطانيا. وإذا استدعي الأمر، فليس من الصعوبة بمكان إيجاد 100 روتشيلد من مختلف الجنسيات في 100 بلد مختلف. وبإمكان روتشيلد، البارون الفرنسي، أن يقرض الحكومة الفرنسية لتبدأ أو تصعد حربها، بينما اللورد البريطاني روتشيلد يستطيع كذلك إقراض الحكومة البريطانية لتبدأ أو تصعد الحرب نفسها التي تخوضها فرنسا. هكذا كانت عولمة المال والمرابين في القرن التاسع عشر.

البارون روتشيلد

وقد استخدم بارونات الربا على الدوام أسرع وسائل الاتصالات التي كانت موجودة في وقتها، من الحمام الزاجل الذي وصلت عائلة روتشيلد من خلاله إلي معرفة أخبار معركة واترلو قبل الآخرين، إلي وسائل الكمبيوتر الحديثة. وإذا كانت إلكترونيات الكمبيوتر أسرع وسائل الاتصال للتداول المالي في وقتنا الحاضر، فقد استخدم مجتمع المال الربوي في القرن التاسع عشر وسيلة التلغراف التي كانت آخر تكنولوجيا الالكترونيات في ذلك الوقت. وقام رويتر، وهو يهودي مولود في ألمانيا، بتغيير اسمه الحقيقي من إسرائيل بير يوزافات إلي بول يوليوس رويتر. وقد بدأ بنشاط نقل الإرساليات والطرود وخدماتها من مدينة آخن إلي بروكسل عام 1849. وعين مراسلين له لتغطية مختلف دول أوروبا، وافتتح منتصف الخمسينيات مكتباً في لندن لبيع الخدمات المالية والمعلومات الأخري والتقارير. واستخدم التلغراف حالما تم اختراعه. وعندما حقق الاقتصاد القائم على المضاربات المالية ارتفاعاً حاداً بعد حرب 1973، ربطت خدمة رويترز لمراقبة الأنشطة المالية لدي المشترين والبائعين معاً على شاشات الكمبيوتر العادي قبل عشر سنوات من ظهور الكمبيوتر الشخصي، وقامت هذه الخدمة المونيتور بإدراج أسعار العملات، وذلك بعد إلغاء سعر الصرف الثابت وتحول العملات والأموال إلي سلع في أيدي المضاربين. وكان احتكار الإعلام والمعلومات المالية على الدوام من المتطلبات الضرورية وأحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع المالي، كما أن ما تبقي من الطبعة القديمة من رأسمالية آدم سميث تنحي عن دوره وتخلي عنه للرأسمالية المعلوماتية التي دمجت نفوذ المال مع نفوذ المعلومات والإعلام. ولما كانت عملية خداع الجماهير وصناعة الأجماع أو الإذعان ضرورة لازمة لإعطاء الجماهير الجاهلة الوهم بأنها تمارس النفوذ الديمقراطي، كما يقول وولتر ليبمان، فقد أصبحت ملكية الإعلام والسيطرة على أمورها أمراً لازماً للمحافظة على مصالح الثروات الخاصة والممارسات الاستمرارية لخداع الجماهير وتضليلها.

وإذا كانت التجارة الحرة قد تحولت إلي كلمة مألوفة بعد ان تم إيجاد منظمة التجارة العالمية مؤخراً لمراقبتها، فقد ظلت سياسة التجارة الحرة على الدوام محوراً للرأسمالية الأنجلو-سكسونية. وكان البرلمان البريطاني قد أصدر بيان مبادئ منذ عهد سحيق يعود إلي عام 1820 دعماً للتجارة الحرة المطلقة وقد تمت إعادة صياغة هذا البيان بموجب قوانين كورن عام 1846. وكانت عناصر ومكونات هذه القوانين ممثلة في المصالح المصرفية لعائلة أليكساندر بارينغ، أصحاب مصارف وبنوك بارينغ بروذرز. وقد أنشأت المجلة الإعلامية الإيكونومست العائدة لهم عام 1843 للترويج والدفاع عن التجارة الحرة، وما زالت في خدمة هذه الرسالة حتي يومنا هذا، معبرة عن صور الرأسمالية المعلوماتيّة. وأصبحت مجلة بيزنس ويك الأمريكية نظيرة الأيكونومست في وول ستريت. وقد امتلكت المؤسسات متعددة الجنسيات والبنوك، وسائل الإعلام الرئيسية اليوم، وهي التي تصوغ وترسم عوامل السوق والمؤثرات عليه والرأي العام من أجل تسويق أجندتها وتقليص المعارضين لها.

وهكذا فإن أيديولوجية الرأسمالية المعلوماتية الحاليّة القائمة على المبادئ الداروينية الأنكلو ـ سكسونية لم تتغير وما زال هدفها النهائي هو المال الذي يجر مالا ويجب أن يكون كذلك وبأية وسيلة بالحرب أو السلام. فقط هي الوسائل التي تغيرت، فقد كانت في الماضي عبارة عن الاحتلال المباشر للدول، أما اليوم فتتم من خلال مصائد الديون وإخضاع الإرادة والاستقلالية الاقتصادية.

وقد تساءل دبلوماسي بريطاني مؤخراً في معرض مقارنته للاشتراطات التي يضعها صندوق النقد الدولي اليوم، مع ما كانت عليه الامبريالية والاستعمار الأنجلو- فرنسي في القرن التاسع عشر، مستذكراً اعتزام بريطانيا عام 1875 السيطرة المباشرة على الإدارة المالية لمصر فقال: ما هو الاختلاف بين هذا وبين ما قام به لورد كرومر وغيره في مصر؟ إن ما يبدو أمامنا ليس إلا صورة مماثلة تماماً لما يضعه صندوق النقد الدولي من برامج مشددة وقاسية .

إن النشاط الرئيس لأصحاب الأموال والرأسمالية يتمثل في توليد الديون على الدول، وإدارتها والسيطرة على عمليات استرجاعها وسدادها. ففي النظام القديم كان الدين يتولد من خلال الحروب في أغلب الأحيان. وكانت إدارة تحصيل الديون واضحة بشكل صارخ من خلال الدولة الرأسمالية الرئيسية، التي كانت في ذلك الوقت انجلترا، ثم أصبحت الولايات المتحدة الحصان الجديد الحالي للعب الدور ذاته، حيث أعلنت منذ 1903ـ 1904 أنها نصبت نفسها شرطياً دولياً لحماية مصالح المجتمع المالي العالمي في أمريكا اللاتينية، ومنحت نفسها الحق في التدخل في شؤون الدولة الأخري عندما تفشل هذه بالقيام بالتزاماتها المالية وسداد الديون المترتبة عليها. وقد تم تعزيز هذا المبدأ ورفع شأنه ليصبح السياسة الرسمية للولايات المتحدة. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن تدخل تيدي روزفلت في هايتي، جمهورية الدومينيكان، ونيكاراغوا. وفي المكسيك كان التدخل الأميركي الذي بدأه ويلسون عام 1910 طـويلا. ومن أجل خدمة الاستثمارات والتجارة تم تطبيق سياسة الباب المفتوح . ومن أجل تكريس الهيمنة الكاملة من قبل الولايات المتحدة على مصالحها وتوليد الأموال وعمليات التمويل والإقراض صمم عرابو وول ستريت مجلس الاحتياطي الفيدرالي ونظامه الداخلي بعيداً عن أية عملية ديمقراطية أو مسؤولية عامة، وأصبح يدار بموجب نظام خاص، تماما كما هي الحال في بنك انكلترا. وهكذا فقد باتت السياسات المالية والنقدية تحت سيطرة المجتمع الربوي العالمي، من خلال تعيين رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي ووزراء الخزانة من محاسيب وول ستريت أو من رجاله أنفسهم.

عقد العشرينات من القرن الماضي

لقد جري في عقد العشرينيّات المدويّة أن تمأسست عملية صناعة السياسات الوطنية، من خلال التكنوقراطية، لا الديمقراطية. وبوصفه أحد أبرز أقطاب الإعلام الأميركيين في النصف الأول من القرن العشرين، يقول ليبمان إن المجتمع ينبغي أن: يدار من قبل نخبة أو طبقة خاصّة ، يدعوهم ليبمان الرجال المسؤولين . ووظيفة هذه النخبة أن يحدّدوا ما سيصطلح على تسميته المصلحة الوطنية . هذه النخبة هي التي ستصبح البيروقراطية المتفانية في خدمة مصالح القوة الخاصّة والثروة الخاصّة. ولكن ينبغي عدم الكشف عن حقيقة روابطهم تلك للعامة الجهلاء . لقد شهدت تلك الفترة إنشاء المجلس النخبوي لعلاقات الخارجية . وفي حقبة بريتون وودز كان بيلدبيرغ هو الذي قام بجمع النخب من على جانبي الأطلسي لصياغة السياسات الوطنية لكل دولة، والسياسات الدولية حاليا، وراء الأبواب المغلقة. أما لفترة ما بعد بريتون وودز فقد كانت اللجنة الثلاثية، التي ضمت اليابان وأمريكا وأوروبا، هي التي تقرر تلك السياسات. ولكل حقبة ونظام كان يتم إنشاء المؤسّسات الملائمة تماما بغية خلق وتشكيل السياسات بعيدا عن الحكومات المنتخبة. وكما جري اغتصاب السياسات النقدية والمالية من قبل أقليّة من البارونات، كانت مؤسّات الظلّ، في هيئة معاهد، ومجالس، ومراكز فكريّة، الخ، هي التي تقرّر فعلا في القضايا السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة الجديّة. هكذا كان الثلاثي الشهير (المال والتسويق والإعلام) يضع المرشحين الملتزمين بأجندة الرأسمالية المعلوماتيّة في المواقع الحكومية الرسميّة ليقوموا بتنفيذ السياسات التي تم رسمـها مسبقا بشكل لاديمقراطيّ. لقد أُتقنت الديمقراطية الميكانيكية لتزرع هذه السياسات والمؤسّسات والأفراد في مواقع حكومية منتقاة. أما القضايا المهمّة فيجري تقريرها خلف الأبواب المغلقة، في حين تترك مسرحيات الانتخابات للمرشحين المتنافسين الذين عليهم جميعا القبول بوضع النخبة. هكذا، إذن، أصبحت طريقة الحكم تكنوقراطية لا ديمقراطية. وفي تحوّل الرأسماليّة نحو الاستهلاكية برعت في تسويق منتجاتها الماليّة والسياسيّة في حزم قابلة للبيع، وكان لديها الوسائل لتحقيق ذلك. ولكون المال قضية حيويّة للمصرفيين وللنخبة فقد قاموا بإنشاء مجلس الاحتياطي الفيديرالي Fed، وتم عزله عن الجمهور، وهو غير معرّض للمساءلة.

من بين الأسباب المهمة التي أدت إلي هذا التغيـير في أمريكا، تحول أمريكا نفسها من مجتمع زراعي بالكامل إلي مجتمع صناعي اسـتهلاكي. فـقد انخفض عدد الأمريكيين العاملين في قطاع الزراعة عام 1900 إلي نصف ما كان عليه بعد الحرب الأهلية، الأمر الذي دفع بالمزارعين، ذوي الاستقلالية بطبيعتهم، إلي أن يصبحوا قوة غير فاعلة في السياسة والمجتمع الأمريكيين.

وتماماً مثلما انحصرت رؤوس الأموال في أيدي القلة المتنفذة فإن ملكية الصحف والوكالات الصحافية في القرن التاسع عشر إلي جانب صناعة الأفلام في هوليوود ومن ثم التلفزيون والإذاعة في القرن العشرين، قد تمركزت كلها في أيدي القلة ذاتها. ومن البديهي أن الإعلام هو أمر حاسم للغاية في خلق حالة من الإجماع العام وتصنيع الرأي العام. وكان كارتل (الكارتل هو إحدي الصيغ الاحتكارية) الشركات الإذاعية قد تبلور لأول مرة عام 1919، حيث كانت (شركة الإذاعة الأمريكية RCA) مظلة لاتفاق قررت بموجبه 4 شركات للبث الإذاعي اقتسام هذه السوق حديثة الولادة. وكانت هذه الشركات الأربع هي: جنرال إليكتريك، ويستنغهاوس، آيه تي آند تي AT&T، والشركة المتحدة للفواكه UFC. أما شركة الإذاعة الوطنية NBC، فقد كانت الشبكة الإذاعية لهذه المجموعة، بينما دخلت شركة شبكة كولومبيا للإذاعة CBS هذا المجال عام 1927. وقد أجبرت اللجنة الفيدرالية للإتصالات FCC شركة الإذاعة الأمريكية على التخلي عن إحدي شبكتيها الإذاعيتين، والذي كانت نتيجته ولادة هيئة الإذاعة الأمريكية ABC عام 1943. إن من أقدم الدوافع وراء السعي للسيطرة على الإعلام ووسائله هي القوة السياسية والثقل الذي يمكنها خلقه، علاوة على أن الشركات التي امتلكت الشبكات الإذاعية في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، كانت كلها شركات عملاقة تركز اهتماماتها على ترويج الثقافة والتشريعات المؤسسية المشتركة. ولم تذكر وسائل الإعلام إلاّ نادراً أن التغييرات التي طرأت على الهيكل الضريبي ما بين عامي 1950ـ 1984، قد أدت إلي تقليص مساهمة الشركات في عائدات الحكومة الفيدرالية من25 في المئة إلي 8 في المئة. وبطبيعة الحال فإن تلك الشركات ووسائل الإعلام التي تملكها لم تتطرق مطلقاً إلي الحقيقة المتمثلة في انخفاض القوة الشرائية للأجور الدنيا بواقع 35 في المئة ما بين عامي 1987 ـ 1994! وقد تقلص عدد الشركات التي تسيطر على الإعلام بوسائله من 50 شركة عام 1984 إلي 26 عام 1987، إلي 23 عام 1990 إلي 20 عام 1993 إلي حوالي عشر شركات عام 1996. وهذه الشركات العشر هي: شركة تايم وورنر، ديزني ، فياكوم، نيوزكوربوريشن ليميتد (ميردوخ)، سوني، تيلي- كوميونيكيشنز إنك سيغرام ، ويستنغهاوس، غانيت ، وجنرال إليكتريك. ولكن أين الشبكات التلفزيونية الكبري؟ لقد أصبحت NBC جزءاً من شركة جنرال إليكتريك، وانضمت شبكة CBS إلي شركة ويستنغهاوس، وشبكة ABC إلي شركة ديزني، بينما آلت شبكة فوكس FOX إلي نيوزكوربوريشن ليمتد (ميردوخ)! وماذا عن شبكة الأخبار بالكوابل CNN؟ لقد انضمت بدورها إلي شركة تايم وورنر. وبذلك تكون كل وسائل الإعلام من الصحف والمجلات واستوديوهات السينما وشبكات الإذاعة والتلفزة، قد تمركزت في أيدٍ قليلة، وهذا التمركز والاحتكار يزيد يوماً بعد يوم.

الكارتل الاعلامي

بإمكان المرء أن يستشعر وجود الكارتل الإعلامي عندما يسافر ويتنقل بين أرجاء الولايات المتحدة؛ فهناك آلاف من المحطات الإذاعية وآلاف من القنوات التفلزيونية وآلاف من الصحف. ولكن في حقيقة الأمر، فإنك إذا سمعت خبراً من إحداها، فكأنك سمعته من كل هذه الوسائل الإعلامية لأن كل مكوناتها محتكرة في أيدي بضع شركات ذكرت سابقاً، وهي تتقاسم القيم والمباديء نفسها. وتمتلك معظم المدن الأمريكية عدداً قليلاً من الصحف تملكها القلة نفسها التي نتحدث عنها. وتتطابق محطات التلفزة الأربع في الجوهر والمضمون، لكنها قد تختلف في الشكل. فلو كان البرنامج هو اليوم أو صباح الخير يا أمريكا فإنك لن تجد فرقاً أو اختلافاً سوي في تنسيق الأخبار. والأمر نفسه ينسحب على الأخبار والصحف المسائية، فالجميع يقدمون الرسالة ذاتها بلا زيادة أو نقصان، وهذه الرسالة تصمم بالمقاس لتخدم أجندة بارونات الربا في كل أقطار العالم.

ويتمّ تنسيق قوة وسائل الإعلام المختلفة معا لخدمة الرأسمالية المعلوماتيّة وتحريك هذه القوة لتخدم أجندتها في السلم والحرب. فخلال حرب الخليج، كان الرأسماليّون المعلوماتيّون يروجون للحرب ويلمعونها في عيون مختلف قطاعات المجتمع الأمريكي وغيره على حد سواء. ولتسويق هذه الحرب لأنصار البيئة، قامت شبكةCNN بعرض صور حية لطائر يموت بسبب بقعة نفطية، وقالت إنه طائر من طيور الخليج يموت بسبب النفط الذي سكبه العراقيون القساة في الخليج. لكن المشاهدين أخبروا الـCNN بأن الطائر المسكين الذي شاهدوه كان من طيور ألاسكا Alaska ولم يكن من طيور الصحراء العربية، وأنه قتل بسبب النفط الذي سربته شركة إيسوESSO النفطية الأمريكـية، وليس الرئيس العراقي صدام حسين. وقد اعتذرتCNN عن هذا التضليل! وبعد هذه المحاولة، قال مراسلCNN في بغداد بيتر آرنت Peter Arnet، في تعارض صارخ مع ما قاله البنتاغون، إنه لم يكن هناك أي دليل على الإطلاق على أن مصنع حليب الأطفال، الذي أمطر بوابل من القنابل الأمريكية، يحتوي على منشآت لتصنيع الأسلحة، فما كان من إدارة CNN إلاّ أن أغلقوا فم بيتر آرنت وأرسلوا مكانه كريستيان أمانبور التي حظيت بالمال والشهرة لتنفيذها أجندة الرأسمالية المعلوماتيّة.

شرك الدين

كتب روبرت كاتنر وفي مجلة بيزنس ويك في عددها الصادر في 20/12/1999، تحت عنوان محتجو سياتل فهموا اللعبة : أما الآن، ومن خلال هذه المؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي فإن المستثمرين في أنحاء العالم يريدون إنقاذ الرأسمالية من براثن عصر البارونات اللصوص ـ وهو عصر يتسم دولياً بالدفاع عن حقوق الملكية ولكن ليس عن حقوق الإنسان . ولكن الصوت الأعلى كان للرأسماليين المعلوماتيّين وأتباعهم، مثل توماس فريدمانThomas L. Friedman. فقد كتب في صحيفة نيويورك تايمز عن جموع الجماهير الجاهلة الذين تجرأوا ورفعوا أصواتهم ضد العولمة في سياتل، واصفا إياهم بأنهم ممن يدافعون عن كون الأرض منبسطة.

لقد حصلت معظم الدول الآسيوية والإفريقية المستقلة حديثاً على استقلالها بعد استعمارها بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. أما قبل ذلك، فإن الدول المستعمرة كانت ترسل جيوشها إلي تلك الدول، إلي جانب المفوضين السامين والقادة السياسيين والرؤساء أو الحكام العسكريين الذين كان يراهم الناس رأي العين في تلك الدول المستعمرة. وحتي الشركات البريطانية في الهند كان لها قواتها وميليشياتها التي كانت تضمن سلامة عمليات نقل ثروات تلك الدول إلي خزائن بريطانيا. أما الآن، فإن الشركات متعددة الجنسيات وأباطرة الرأسمالية المعلوماتية، يقومون بالعمل ذاته، وهو تحويل ثروات ومصادر الآخرين، بينما تقوم الرساميل متعددة الجنسيات بتأدية مهمة الاستعمار المؤسسي دون الحاجة إلي جيوش أو ميليشيات. وهم يقومون بهذه المهمة بدرجة عالية من التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية تكونت مدرستان اقتصاديتان في الدول النامية هما: هؤلاء الذين يدعون إلي تركيز التصنيع على استراتيجيات إحلال المنتجات الوطنية بدلاً من الواردات، وهي سياسة تقوم على الاعتماد على الذات، وهو ما يتعارض مع التشريعات التي أقرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخصوص فتح الأسواق الاقتصادية. والمدرسة الثانية هي أولئك الذين أرادوا دمج اقتصاد بلادهم وراء حدودهم القومية وصولاً إلي الغرب وثقافته وهم بالتالي يؤيدون توجيه التصنيع إلي قطاع التصدير لخدمة الأسواق الخارجية والأجنبية وأهدافها، وهو ما يتوافق مع تشريعات صندوق النقد والبنك الدوليين. ونظراً لإدراكه لتلك الحدود والحواجز القائمة بين المجموعتين، عمد البنك الدولي إلي تأسيس معهد التنمية الاقتصادية وبدأ رحلة من بناء المعاهد في الدول النامية تقودها طواقم من اللاقوميين إلي جانب تدريب إضافي في معهد التنمية إذا دعت الحاجة. وأنشأت مجموعة من المعاهد والمؤسسات الوطنية كان يفترض بها أن تكون مستقلة عن الحكومة وأجهزتها وهيئاتها ووزاراتها، وروّضت لتتقبّل الاقتراض من البنك الدولي بكل يسر. وكانت هذه حال الكثير من هيئات التنمية و سلطات المياه و سلطات الاتصالات و سلطات الموانيء . وقد عمل البنك الدولي على مساعدة هذه المؤسسات والهيئات والسلطات الوطنية لتمارس نشاطاتها وفقاً لأعلى درجات الاستقلالية عن حكوماتها، وكانت إدارة هذه المؤسسات محشوة بطواقم إدارية تكنوقراطية من أولئك المؤيدين للغرب والذين كانوا على صلات وثيقة بالبنك الدولي مالياً ومهنياً.

لقد تمخضت الزيادة المفاجئة في أسعار النفط أوائل السبعينيات عن زيادة هائلة في الفائض من العملات الأجنبية المتحصلة للدول المصدرة للنفط من خلال مبيعاتها في الخارج والتي أودعت في البنوك الغربية الكبري الرئيسية. لذا كان لا بد من إيجاد توظيف تلك الأموال، مثل منح القروض للدول النامية. وكانت مؤسسات طلب القروض جاهزة لتبدأ دورة الديون والقروض. فخلال عقد السبعينيات، ازداد دين الدول منخفضة الدخل من 21 مليار دولار إلي 110 مليار دولار. ومع ازدياد أسعار الفائدة في تلك الفترة، أصبح معظم المقترضين مثقلين نتيجة مغالاتهم في الإقتراض، الأمر الذي كان يهددهم بالتخلف عن سداد القروض وسداد الفوائد، والذي بدوره سيضع النظام المالي العالمي في دائرة الخطر.

أصبحت حكومات الدول تحت غطاء اتفاقية بريتون وودز (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي واليوم منظمة التجارة العالمية WTO) تتخلي عن سيادتها الوطنية عندما لا تتولي سياساتها المالية والنقدية. فعن طريق التشريعات تستطيع الدولة إصدار القوانين والقرارات التي تتناسب ومصالحها المحلية والصناعية والزراعية والتجارية، وما ذلك إلاّ العائد السياسي السيادي على البضائع ورؤوس الأموال الأجنبية. أما من خلال إلغاء هذه التشريعات والقوانين التي هي العمود الفقري للبرامج المفروضة عادة من الصندوق والبنك الدوليين فإن الدولة تبيع قدرتها على الإيجار السياسي بثمن بخس في الوقت الذي تضطر صناعاتها الوطنيّة بأن تدفع إيجاراً تحت عناوين مختلفة مثل حقوق الملكية، وحقوق الامتياز وما إلي ذلك للشركات العملاقة العبر قطرية.

عندما تقع الدول في شرك الدين، فإنها لا تستطيع منه فكاكاً. إن الحالات التي شهدتها دول أمريكا اللاتينة وإندونيسيا وغيرها تمثل قصة مكررة. إن دورة الدين الشريرة تبدأ بتحفيز الاقتراض الأجنبي فيتم منح القروض للدول أو شراء ضماناتها المالية بأسعار فائدة مرتفعة. وعادة ما تكون معدلات النمو في الدول المدينة أدني من معدلات الفائدة التي يتعين على هذه الدولة دفعها. وهكذا يبدأ بناء هرم الدين. وعن طريق الوسائل التي تستخدمها الدول المدينة لفرض الضرائب الباهظة تبدأ العناصر الإنتاجية ومقومات الاقتصاد في ذلك البلد بالعمل فقط لتوفير خدمات الديون والقروض. ولما كان متعذراً في هذه الحالة تسديد الدين الأساسي فإن الدولة ستستمر في دفع فوائد الديون إلي الأبد. وبما أن السياسات المالية والنقدية تصبح خاضعة لأوامر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فإن من الممكن فرض متغيرات أخري مثل تخفيض عملة تلك الدولة لإخضاعها تماماً ليسطرة الدائنين.

السلطة للدولار لا للشعب ديمقراطية فرّغت من محتواها

بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، صبّت الولايات المتحدة كل تركيزها على تنفيذ وتطبيق خططها للحرب والسلام على حد سواء. وكانت أدواتها التي استخدمتها لذلك التطبيق هي مؤسسات بريتون وودز والامم المتحدة.

لقد شنت الولايات المتحدة حروبها على بلاد ومناطق الآخرين. فقد كانت اليابان تعيش حالة من الدمار الكامل، حالها حال أوروبا، أما الاتحاد السوفييتي ففقد 20 مليون تقريباً من أبنائه، إلي جانب تعرض اقتصاده إلي تدمير شامل. ولم يتوقف الأمر على عدم تضرر الولايات المتحدة جراء الحرب، بل إن اقتصادها فوق ذلك كان قد تضاعف ونما بنسبة فاقت 300 بالمئة خلال الحرب، وبسببها. أما بالنسبة لأوروبا، فقد تقدم وزير الخارجية جورج مارشال بخطة لإصلاحها في حزيران (يونيو) عام 1947.

كانت الخطة تهدف إلي إصلاح أوروبا اقتصادياً وإعادة تأهيلها حتي تستعيد قدرتها على مواجهة التهديد الشيوعي. ولقد شاركت 16 دولة، إلي جانب ألمانيا الغربية في الحرب، وأنفقت الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات مبلغ 12 مليار دولار عن طريق خطة إنعاش أوروبا، كما كانت تسمي خطة مارشال أيضاً. ووقعت اثنتا عشرة دولة على اتفاقية حلف شمال الأطلسي في نيسان (إبريل) عام 1949. وأدت السيطرة الشيوعية على الصين بحلول نهاية عام 1949، إلي دفع الولايات المتحدة للتوجه نحو تعزيز قوة اليابان وتحفيزها ودفعها نحو التصنيع، حتي تتمكن من مجابهة التهديد الصيني.

وضعت إدارة الرئيس ترومان خطة مكونة من إحدي وعشرين نقطة أطلق عليها اسم الصفقة العادلة ، ثمّ أُرسلت إلي الكونغرس في شهر ايلول (سبتمبر) من عام 1945. ودعا هذا البرنامج المحلي إلي توسيع قاعدة الضمان الاجتماعي، والتوظيف العادل، وسن التشريعات بخصوص الإسكانات العامة، وغيرها من الميزات التي تصب في صالح الأغلبية العاملة من الأمريكيين. غير أن ترومان لم يتمكن من تمرير مثل هذا البرنامج في الكونغرس لتقديم الصفقة العادلة لمساعدة الفئات الأقل حظاً من الأمريكيين. وقام ترومان في 20/1/1949 بإلقاء خطابه لدي توليه الرئاسة، غير أن ذلك الخطاب لم يلق إلاّ القليل من النجاح، حيث تمت الموافقة على جزء بسيط فقط من برنامج الصفقة العادلة عام 1950.

تولي كل من هاري ديكستر وايت من الولايات المتحدة، (وهو مساعد وزير الخزانة) واللورد مينارد كينز من بريطانيا، تصميم ووضع الهيكلة المالية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت الأركان الثلاثة لهذا النظام المالي الجديد هي صندوق النقد الدولي IMF، الذي يتولي الأعضاء فيه وضع وتشكيل مخزون مالي للطواريء في الأوقات التي تشهد عجزاً في ميزان المدفوعات، والبنك الدولي الذي يقوم بإقراض الحكومات الأعضاء قروضاً كبيرة لمشاريعها الضخمة وبناها التحتية، إلي جانب الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الغات GATT)، والتي ستضع بدورها أجندة للتجارة الحرة. لقد صيغت هيكلية اتفاقية بريتون وودز بكل مهارة وحذق لضمان السيطرة الرأسمالية الانكلو-سكسونية على التجارة والتمويل العالميين.

ووضع قانون الأمن القومي موضع التنفيذ عام 1947، وتشكلت وزارة الدفاع عام 1949. وبحلول عام 1949، كانت معظم أدوات تطبيق السيطرة العالمية، وإقامة النظام الاقتصادي العالمي الجديد لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في طور التشكل. وتأسست مجموعة الدول السبع الكبارG7 في تاريخ لاحق. أما المنطقة الكبري فقد شملت معظم الأراضي غير الخاضعة للحكم الشيوعي. وأصبح للإقتصاد الأمريكي الضخم، الذي توسع مرات عدة خلال الحرب، منطقة كبري يستطيع فيها أن يقوم بكل المهام الموكلة إليه دون أدني ضغوط. وباستثناء الاتحاد السوفييتي، كانت كل الدول بحاجة لمساعدة الولايات المتحدة في إعادة إعمارها وتطويرها. وبدأت أوروبا واليابان وأجزاء أخري كثيرة بعمليات إعادة إعمارها وما تتطلبه من جهود من خلال الرؤية العالمية الجديدة.

وفي الفترة ما بين عامي 1939 و 1945، أنتج الاقتصاد الأمريكي : 86330 دبابة، و 296400 طائرة و 6500 سفينة بحرية. أما مشروع مانهاتن، الذي كان الأساس لإنتاج القنابل الذرية، والتي تم فحصها وتجريبها في 1945، فقد أنفق عليه مليارا دولار فقط من ميزانية عام 1945.

وعلى النقيض مما حصل بعد الحرب العالمية الأولي، فإن هذا الاقتصاد الضخم سيتمكن من المضي قدماً لقيادة النظام الاقتصادي العالمي الجديد ليكون هو الرائد له. وأملت الولايات المتحدة في أن يؤدي الدمار الشامل الذي لحق بالبني التحتية للاتحاد السوفييتي وصناعاته إلي دفعه لطلب المعونة الأمريكية في إعادة إعماره، مما قد يجعل مساعدة الولايات المتحدة مشروطه، وبالتالي تقييد سياساته إلاّ ان الاتحاد السوفييتي قام بعملية بناء اقتصاده بنفسه دون طلب أية مساعدة من أية أطراف.

وبحلول شهر ايلول (سبتمبر) من عام 1949، قام الاتحاد السوفييتي باختبار قنبلته الذرية الأولي، وكان الاقتصاد السوفييتي في الخمسينيات يحتل مركزاً متقدماً من حيث معدلات النمو الاقتصادي. وقرر مخططو السياسة الأمريكية في السنوات الأولي من الحرب الباردة أن يسقطوا الاتحاد السوفييتي ويدمروه، عن طريق خنقه اقتصادياً وزيادة الإفراط في نفقاته على النواحي العسكرية وغير المنتجة. واتجهت معظم المصادر والموارد السوفييتية نحو الصناعات العسكرية، وبدأت الحرب الباردة بين نظامي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

اجندة المائدة المستديرة

كان المجتمع الأمريكي يتشكل أكثر فأكثر وفقاً للأجندة غير الرسمية للمائدة المستديرة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، التي كانت أيضاً نقطة الارتكاز في توصيات مجموعات دراسة الحرب والسلام. وكانت أسس وركائز سيطرة الرأسمالية الانكلو ـ سكسونية والأمريكية، والسيطرة على موارد المواد الخام والتحكم بشروط التجارة الدولية. وانخرطت بنوك نيويورك في عمليات واسعة من الاندماج. وذهبت أكثر من 10 بالمئة من الأموال المخصصة لخطة مارشال إلي الشركات النفطية الكبري حتي تدفع ثمن النفط. وقامت هذه الشركات الكبري من فورها بزيادة سعر النفط من 1.05 دولار للبرميل إلي 2.22 دولار للبرميل.

كان جورج بول George Ball، وهو عضو في مجلس العلاقات الخارجية ونائب لوزير الخارجية ومصرفي سابق في ليمان برذرز Lehman Brothers، أفضل من عبّر عن ذلك المنظور الجديد، حيث أوضح الكيفية التي تستطيع فيها الشركات متعددة الجنسيات ممارسة أدوارها. وبات هذا الاستعمار الجديد من خلال استعمار الشركات عبر القطرية قيد الإمكان نتيجة لمزايا الاتصالات الفورية، ووسائط النقل السريعة، والحواسيب، وتقنيات الإدارة الحديثة… وبذلك، فإن الشركات متعددة الجنسيات تقوم بما كانت تقوم به شركة الهند الشرقية، باستثناء أن الأولي ليست بحاجة إلي العساكر والقوات البريطانية التي ترهق كاهل الاحتلال بالمصاريف والنفقات.

ونتيجة لرؤية كهذه ارتفع صافي الصادرات الرأسمالية الأمريكية إلي أوروبا الغربية من 25 مليار دولار سنوياً إلي ضعف هذا المبلغ خلال فترة قصيرة امتدت من عام 1957 وحتي عام 1965. وبقيت تلك الأموال وأرباحها في أوروبا حتي باتت تعرف باسم اليورودولار Eurodollar ولتمويل حرب فيتنام، قامت الولايات المتحدة ببساطة بطباعة مزيد من الدولارات عن طريق بيع المزيد من سندات الخزانة الأمريكية لتمويل العجز. لكن العجز ظل في ارتفاع مستمر من 3 مليارات دولار سنوياً في بداية عام 1960 حتي وصل إلي 9 مليارات دولار عام 1967 و25 مليار دولار عام 1969 ومع بدء استنزاف احتياطاتها من الذهب، طلبت الولايات المتحدة من البنوك المركزية الأوروبية أن تبقي الدولارات في أوروبا وألاّ تستردها ذهباً، بل تقوم بتحصيل الفوائد عليها بدلاً من ذلك. وبعد سنوات قليلة، ألغت الولايات المتحدة اتفاقية بريتون وودز وألغت معها استرداد الدولارات ذهباً، وبالتالي جردت أولئك الذين كانوا يحتفظون بالدولارات الأمريكية من ثرواتهم، ذلك أن دولاراتهم أصبحت لا تساوي إلاّ كسوراً من قيمتها التي كانت عليها حين كانت تتم مقايضة كل 35 دولاراً بأونصة واحدة من الذهب.

بعد أن قابل الرئيس الأمريكي كينيدي الرئيس ديغول في ايار ( مايو) 1961، أعجب كل منهما بالآخر، ووصف كينيدي في تقرير للشعب الأمريكي في 6/6/1961، وصف ديغول بأنه مستشار حكيم للمستقبل ومرشد واسع الثقافة للتاريخ الذي ساهم في إنجازه . ولكن ذلك الوصف لم يرق لمؤسسة الظل الانكلو-سكسونية، التي عبرت عن استيائها لمثل هذه الثقة. وكانت التجربة الفرنسية في فيتنام من ضمن النصائح التي أسداها الحكيم ديغول لكينيدي. واتفق مستشارو كينيدي على أنه قد بدأ يفكر بجدية في الخروج من أزمة فيتنام ووضع نهاية لها. إلي جانب ذلك، فإن كينيدي لم يكن راضياً عن الكم الهائل من الدولارات التي تهجر الولايات المتحدة لتستقر في أوروبا مع أرباحها. وبدأ كينيدي بالإعداد لفرض ضريبة على تلك الرساميل حتي يلزمها بالعودة إلي ديارها. وفي رسالة وجهها إلي الكونغرس في 18/6/1963، اقترح كينيدي فرض ضريبة تكافؤ معدلات الفائدة على الأموال الموجودة في الخارج وذلك لتشجيع تصدير المنتجات المصنعة بدلاً من تصدير الدولارات. ولكن كينيدي لم يعش حتي يشاهد ذلك بعينه. ومن الواضح أنه كان لكينيدي مفهوم خاص به عن أمريكا التي يريدها، وهو مفهوم مختلف عن الرؤية الجديدة لأمريكا كعجلة قيادة رئيسية للبارونات الانكلو ـ سكسونييين متعددي الجنسيات.

بعد رحيل كينيدي، تولي ليندون جونسون، السياسي الانتهازي، مقاليد الأمور. وعاكس السياسات المالية والسياسة التي كان قد تبناها كينيدي، حيث أبقي الوضع كما هو عليه بالنسبة لليورودولار والفوائد على الأموال المهاجرة، وعمل على تصعيد وتيرة حرب فيتنام.

وتولت الرموز البارزة في بيلدبيرغ ومجلس العلاقات الخارجية معظم المناصب الحساسة في إدارة الأمن القومي والحكومة ووزارة الخارجية. وكان تلاميذ ويليام إليوت من جامعة هارفارد يتولون إدارة الأمور في واشنطن، بينما كان ماك جورج باندي، العميد السابق في هارفارد، مسؤولاً عن إدارة حرب فيتنام بصفته مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي في إدارة كل من كينيدي وجونسون. وتولي ربيب جامعة هارفارد، هنري كيسنجر ، السلطة بعد رحيل باندي ، ليصبح مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية. أما بريجينسكي، ربيب هارفارد وجامعة كولومبيا، فقد تولي منصب مستشار الأمن القومي في إدارة كارتر. وبذل هؤلاء كلهم أقصي جهودهم في تنفيذ السياسات عبر القطرية الجديدة للبارونات الانكلو ـ سكسونيين، التي تبلورت بين مجلس العلاقات الخارجية وجامعة هارفارد على الخصوص.

وفي عام 1959، أوشك احتياطي الذهب الأمريكي أن يعادل الإلتزامات الخارجية بالدولار والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار لكل منهما. وبحلول عام 1967، ارتفعت حدة الالتزامات الخارجية لتصل إلي 36 مليار دولار، في الوقت الذي انخفض فيه الاحتياطي الأمريكي من الذهب إلي 12 مليار دولار، أي ما يعادل ثلث تلك الالتزامات. أما اليورودولارات فقد تزايدت بسرعة هائلة لتصل إلي 1.3 تريليون دولار في أوائل السبعينيات دون أن يكون لها غطاء من الذهب، حيث كانت كلها في الخارج. وكانت هذه الدولارات محتكرة فقط ضمن سيطرة بارونات الشركات والتمويل متعددي الجنسيات. ولم يكن لهذه الأموال أية قوانين تحكمها أو تنظمها، وبذلك شكلت بداية لعصر إلغاء القوانين والتشريعات الذي ساد فيما بعد.

وفي ايار (مايو) من عام 1971، تم تسجيل أول عجز تجاري أمريكي بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد تعرضنا سابقا بالنقاش للآلية التي شنت بها حرب الغفران عام 1973 وذلك للعمل على زيادة أسعار النفط ولتدشين نظام التعويم المتداعي الجديد الذي كان يرتكز على قاعدة البترودولارات. ولما كان مقرراً أن تدفع أثمان النفط بالدولار الأمريكي فقط، فقد بات العالم مجبراً كرهاً على ابتياع كميات هائلة جداً من الدولارات بشكل مستمر. وبذلك، تمت الاستعاضة عن نظام الصرف الذي أقرته بريتون وودز، بقاعدة البترودولارات بدلاً من قاعدة الذهب. أما الدولارات الناجمة عن دفع أسعار النفط فكان يعاد تدويرها مجدداً لتصل إلي البنوك الأمريكية والبريطانية، وهذه بدورها كانت تقرضها إلي الدول النامية لتدفع ثمن رفع أسعار نفطها. ومنذ ذلك الحين، تمّ نصب شـرك الدين الرهيب. وبعد سنوات قليلة من شهر العسل والأرباح غير المتوقعة، وجدت الدول الكبري المنتجة للنفط في الأوبك OPEC، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، نفسها تندفع بلا هوادة نحو شرك الدين لتسقط فيه. فكما خططت نخبة فرسان المائدة المستديرة، فإن السيطرة الانكلو ـ سكسونية لا يمكن ضمانها إلاّ عن طريق خضوع واستسلام وانهيار سيادة الدول على اقتصاداتها.

لم يعد البترول مصدراً للطاقة فحسب، بل إنه بات أداة لخلق الديون وإلقائها على أكتاف الدول النامية التي يجب أن تدفعها من أثمان موادها الخام والتي أصبحت في انخفاض مستمر. كما أصبح النفط وسيلة تساعد على طباعة الدولارات، حيث أصبحت كلفة كل مئة دولار تساوي كلفة طباعتها وهي خمسة سنتات فقط وذلك دون غطاء حقيقي سوي الذهب الأسود، أي النفط، بدلاً من الذهب الأصفر. وقدّم هذا النفط على طبق من ذهب الكثير من الدولارات لتخزينها في جيوب بارونات المال في وول ستريت . وهذا ما أعطي بارونات المال فرصاً ذهبيةً للربح وجني الأموال وإقراضها. كانت كل دول العالم النامي تشهد أسوا أوضاعها على الإطلاق وتنوء تحت وطأة الفوائد التي يتوجب دفعها لهؤلاء البارونات اللصوص من المرابين العالميين.

أما انتشار الطاقة الذرية، كمصدر رئيس لتوليد الطاقة، فأصبح يشكل تهديداً صريحاً وخطيراً ينذر بنسف أساس النظام المالي البترودولاري الجديد. وإلي جانب سيطرتها على الدولارات، سيطرت الشركات الأمريكية والبريطانية على النفط، وأصبح بمقدورهم إغلاق صمامات النفط وحبسه عن الجميع في أي وقت يشاؤون. وعندما ناقش واضعو السياسة الأمريكية مستقبل اليابان بعيد الحرب العالمية الثانية، قرروا أن بإمكان اليابان أن تمضي قدماً في سياساتها التصنيعية إلي أبعد الحدود طالما أن الولايات المتحدة تستطيع فتح صمامات النفط وإقفالها على الصناعات اليابانية وقت تشاء.

وبعد أسابيع قليلة من تعليق استعادة قاعدة الذهب عام 1971، جاء دور ماك جورج باندي، العميد السابق في هارفارد والرئيس السابق أيضاً لهنري كيسنجر حين كان كلاهما في هارفارد ومجلس الامن القومي الذي كان يرأسه باندي بنفسه. ودشن باندي مشروعاً حيوياً رئيسياً بعنوان وقت الاختيار: البدائل الأمريكية للطاقة . وقام ديفيد فريمان بتوجيه هذا المشروع الذي أسفر عن شن هجوم لا هوادة فيه على الطاقة النووية كبديل. ومجدداً برر ذلك الهجوم على الطاقة النووية بأسباب غاية في النبل والسمو بينما كانت في واقع الأمر تخدم غايات على درجة عالية من الخسة والدناءة، نظراً لأن الطاقة النووية كان بمقدورها إقلاق راحة نظام تعويم الدولارات البترولية الجديد الذي صمم أصلاً ليحل محل اتفاقية بريتون وودز. كان معظم العلماء ينظرون إلي الطاقة النووية على أنها نقلة تكنولوجية جديدة تشبه في ثورتها التحول من استخدام الفحم إلي النفط. وانطلقت الشرارة الأولي للحركات المناهضة للطاقة النووية من الأموال التي كانت تضخها شركات صناعة النفط الكبري لإجهاض هذا النوع من الطاقة.

واستعداداً لبدء هذا العصر الجديد، تم تشكيل اللجنة الثلاثية. وعام 1970، وضع زبيجنيو بريجينسكي كتاباً أسماه بين عصرين: دور أمريكا في العهد التكنوتروني وعرف المجتمع التكنوتروني بأنه ذلك الذي يتم تشكيله وتفصيله من النواحي الثقافية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية بما تحدثه التقنية والعلوم والمخترعات الالكترونية على وجه الخصوص في مجالات الكومبيوتر والاتصالات . واقترح بريجينسكي إقامة علاقة وروابط مجتمعية بين المناطق التكنوترونية الثلاث وهي الولايات المتحدة، أوروبا الغربية واليابان كمرحلة أولي. واعتبر إلحاق كل من أستراليا وإسرائيل والمكسيك ودول متقدمة أخري أمراً مقبولاً. ومضي إلي القول بأن هذه السوق التي ستنبثق من الدول المتقدمة قد تتطلب بعض التعبير عنها بالوسائل المؤسسية . وكانت فكرة المؤسسات مثل اللجنة الثلاثية ومجموعة الدول السبع الكبار، جزءاً من الاستنتاجات التي يمكن استقراؤها من كتاب بين عصرين . وكانت القوي المتعولمة تعمل على تفكيك وحدة وسيادة الدول بمعناها التقليدي. إذ أن الشركات المتعولمة، البنوك المتعولمة، والمنظمات المتعولمة تضطلع الآن بأدوار آخذة في التوسع والتزايد في التدخل في السياسات العالمية وتشكيلها، إلي جانب تدخلها في الشؤون الاقتصادية لدول العالم الأخري، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي. وقد تم إيجاد طبقة من النخبة المتعولمين في كل الدول، وهم من الذين قدموا المصالح والأمور المتعولمة على مصالح بلادهم القومية. وكانت العلاقات الأمريكية مع كل من اليابان وأوروبا الغربية، قد شهدت تدهوراً ملحوظاً نتيجة للإجراء الانفرادي الذي أقدم عليه ريتشارد نيكسون في أغسطس 1971 من جانب واحد للعلاقة بين الدولار والذهب، ثم إلغاء تلك العلاقة نهائياً عام 1973، إلي جانب بعض السياسات الاقتصادية الأخري التي وضعها.

اخفاق النظام الرأسمالي اقتصادياً، اجتماعياً، سياسياً وأخلاقياً

شن جوزيف سيلتزر، الحائز على جائزة نوبل، هجوماً عنيفاً على صندوق النقد الدولي وبرامجه التي تحمي المجتمع الرأسمالي لبارونات المال، تلك البرامج التي جلبت الخراب والدمار لتلك الدول التي كان الصندوق يفرض عليها القبول بشروط الاقتراض والتداوي بوصفاته العلاجية المميتة. ويعتبر سيلتز نفسه من أبناء ذلك النظام، فهو مدير تنفيذي بارز سابق في البنك الدولي، وهو توأم صندوق النقد الدولي بموجب اتفاقية بريتون وودز. كما أن سيلتزر كان يشغل منصب رئيس مجلس مستشاري الرئيس للشؤون الاقتصادية في إدارة كلينتون. ولذلك، فإن من الممكن أن سيلتزر يرمي من وراء هجومه هذا إلي شيء ما. قد تكون سمعة صندوق النقد الدولي انحطت إلي مستويات متدنية جعلته غير ملائم ولا صالح لأن يستمر أداة لتوسيع الرأسمالية الانكلو ـ سكسونية أو لخدمة باروناتها. فبدلاً من نـَقـْد وكشف النظام الذي أوجد وأدار صندوق النقد الدولي، فقد جعل الصندوق مجرد كبش فداء. ويتساءل المرء هنا عمّا كان سيلتزر يفعله، وعن النصائح التي أسداها للرئيس كلينتون، بصفته كبير مستشاريه الاقتصاديين، حين أجبر كلينتون إندونيسيا على القبول بالوصفة القاتلة لصندوق النقد الدولي وكأنها منزلة من عند الله؟ هل يقوم سيلتزر بالدور نفسه الذي أداه ميلتون فريدمان الذي حصل على جائزة نوبل، لخلق حالة جديدة من الإجماع والموافقة ما دام في صفوف الجماهير الجاهلة؟ يجب على سيلتزر أن يعلم جيداً أن المأساة لا تكمن فقط في صندوق النقد الدولي، بل في النظام الذي أوجده وأخرجه للعالم. لقد تحول الحلم الأمريكي إلي كابوس أمريكي وأوهام أمريكية. وفي نظام كهذا، فإن رأس المال أو الاقتصاد يتحكم بأرواح الأفراد والجماعات ويطغي على أية قضايا سياسية، واجتماعية وأخلاقية أكثر أهمية لهم. وكما يقول ويليس هارمان في كتابه الجنون الاقتصادي ، فإن محاولة علاج الخلل الموجود في هذا النظام دون مجابهة فرضياته الأساسية يشبه إلي حد ما محاولة أحدهم الذهاب إلي الطبيب ومعه تشكيلة من الأمراض طالباً الشفاء وهو يعترف بأن عمله مضن للغاية، وأنه يـُحِب تناول الكحول في المساء، ويستمتع عند تدخينه ثلاث علب من السجائر يومياً وأنه شره فيما يتعلق بالطعام، كما أنه لا يريد لأي من عاداته المذكورة أن تتغير.

دور التلفزيون

بعد الحرب العالمية الثانية، غير جهاز التلفزيون من طبيعة وشكل الحملات الانتخابية وجوهر الأحزاب والسياسة، ومع أن شكل الاحزاب لم يتغير أو يختلف، إلاّ أنها لم تعد تشكل المحور الأساسي في العملية السياسية. فمن السهولة بمكان الآن التلاعب بالرأي العام. ومثالاً على ذلك فقد أدت حملة رابطة التأمين الصحي التي أنفقت 15 مليون دولار على الإعلانات المتلفزة، إلي القضاء على برنامج الرعاية الصحية عام 1993 الذي تبنته إدارة كلينتون، مع العلم أن تلك الحملة كانت غاية في التضليل. ولمّا أصبحت الحملات المتلفزة أكثر كلفة مع مرور الوقت، وجد السياسيون أنفسهم عاجزين عن تحدي مموّليهم وسادتهم من أرباب المال.

لقد أصبح النظام الأمريكي منقاداً أكثر فأكثر لقوة المال، فكلما تجمع المزيد من الأموال في أيدي القلة أصبح النظام أقل ديمقراطية. وما فتئت ثروة طبقة الواحد بالمئة في تزايد مطرد خلال العقود الثلاثة الماضية بعد إطلاق الاقتصاد الرأسمالي المعلوماتي الجديد. وفي الوقت الذي باتت فيه الحاجة إلي الإصلاح واضحة جلية، فإن أولئك الذين يدّعون أنهم مصلحون ضمن حدود النظام أثبتوا فشلهم الذريع. لم تكن خطة الثورة التي اطلقها غينغريتش ، وخطة الصفقة الجديدة التي أطلقها كلينتون، لم تكن أي منهما ثورة أو صفقة جديدة. إن انعدام التوازن بين قوة المال والقوي الإنتاجية ظل يتسع باستمرار، وأسفرت قوة المال والأعمال والإعلام، عن ولادة قوة رأسمالية معلوماتية لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال مع القوي الإنتاجية في مجتمع رأسمالي، يضع قوانينه ويسن تشريعاته حفنة من البارونات وحلفائهم في واشنطن والكونغرس والإدارة الأمريكية.

إن ظهور التلفزيون وسيطرة القلة عليه، بل وامتلاكه، قد ادي إلي تعاظم قوة وسيطرة القلة على الأحزاب السياسية والانتخابات ومختلف العمليات. واستخدمت القلة مصاردها المالية الهائلة للتلاعب في الرأي العام والتأثير على المرشحين. ولكن الناخبين توقفوا عن المشاركة في الانتخابات لانها باتت مجرد مضيعة للوقت، لا سيما أن لعبة السيطرة من قبل المصالح الخاصة للقلة باتت مكشوفة أمام أعينهم وإدراكهم. كان ذلك فعلاً مضيعة للوقت. ففي أوقات وحالات التوازن للنظام الرأسمالي الانكلو ـ سكسوني تفضل مصالح القلة على الأغلبية، وقوة المال على قوة الشعب.

نظام مفكك ومنهار

يبدو أن الجميع متفقون على شيء واحد على الأقل وهو أن النظام الرأسمالي العالمي متفكك ومتهالك. ولتوضيح ذلك، نورد بعضا من وجهات النظر التي قدمها امثال جورج سوروس وهو أحد أرباب الرأسمالية، وروجر موريس ، العضو الأسبق في مجلس الأمن القومي الأمريكي في إدارة الرئيس نيكسون، والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد، وهو لوثار كومب من حركة ليندون لاروش ومجلة EIR. يقول جورج سوروس في كتابه أزمة الرأسمالية العالمية ، إن النازية والشيوعية… كانت لهما سمة مشتركة هي أنهما ادعتا السعي وراء الحقيقة المطلقة، فقامتا بفرض آرائهما وتوجهاتهما على العالم غصباً بقوة السلاح . أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تقول لكل العالم: إما أن تكن معنا أو أن تكون ضدنا، وهي بذلك تزعم أن قيمها حسنة وتلائم الجميع وهي تفرضها على الكل بجميع ما تملك من خيارات، بما في ذلك الخيار العسكري. إن ما يقوله جورج سوروس يحمل أهمية وطابعاً خاصين، حيث أن أحداً لا يستطيع اتهامه بمعاداة الرأسمالية، وهو الذي جني عدة مليارات من الدولارات في أسبوع واحد فقط من خلال المضاربة ضد الجنيه الاسترليني البريطاني، حتي لم يتمكن البنك المركزي البريطاني نفسه من إيقاف مضاربات سوروس. وعلاوة على ذلك، لا أحد يجرؤ على اتهامه أو ابتزازه من خلال الادعاء عليه بمعاداة السامية، لأن سوروس نفسه يهودي. وكتب سوروس في مقدمة كتابه : كنت أوضح لم كان النظام الرأسمالي العالمي مهتزا، لكنني وإلي أن تهاوت روسيا، لم أدرك أنه كان في طور الانحلال. فالنظام الرأسمالي العالمي مبني على الاعتقاد بأن الأسواق المالية، المتروكة لأهوائها ورغباتها، تميل نحو التوازن… وهو اعتقاد باطل خاطيء. فهذه الأسواق مندفعة نحو الإسراف والمغالاة، ولو توالي انتعاش بعد انكماش وتجاوز نقطة معينة، فسيكون ضرباً من المستحيل أن يعود إلي حيث ابتدأ. فالأسواق المالية ليست كالبندول، بل هي أشبه بكرة الهدم في الفترة الأخيرة مطيحة بالاقتصاديات واحدة تلو الأخرى.

ويذكر موريس أنه توجد على مقربة من البيت الأبيض ثمانية ملاجيء للمشردين ممتلئة على الدوام؛ ويمرّ الطلاب إلي مدارسهم بلافتات تحذر من تهريب الأسلحة أو المخدرات؛ ويخضع حوالي ربع الطلاب في المدن في أمريكا للتفتيش، عن طريق أجهزة كشف المعادن قبل دخولهم مدارسهم . وقام المراهقون المسلحون بإرهاب السياح، والسطو على أموالهم وممتلكاتهم في معهد سميثسونيان، واعتدي على الزوار في متاحف قومية أخري في العاصمة واشنطن (دي. سي). وعندما أراد غوردون بوش، عمدة مدينة إيست سانت لويس، الذهاب إلي واشنطن لحضور حفل تولي كلينتون مهانه الدستورية، قام هو بنفسه بدفع ثمن تذكرة سفره إلي واشنطن نظراً لأن مدينته عجزت عن دفع ثمنها وشرائها له. وتعاني مدينة إيست سانت لويس من بطالة مرتفعة تصل نسبتها إلي 50بالمئة ، وهي نسبة قد لا نجد مثيلاً لها حتي في أفريقيا. كما تشكو المدينة من تفشي انتشار وتعاطي المخدرات، ومديونية باهظة وعوائد ضريبية منخفضة إلي جانب أعلى معدل للجريمة في الولايات المتحدة . كانت المؤشرات الاقتصادية تبدو جيدة عندما اعتلي كلينتون عرش البيت الأبيض. وفي غضون 77 يوماً من توليه السلطة ذكر أن النمو الاقتصادي ارتفع بمعدل ثلاثة بالمئة وازدادت الثقة في النشاط التجاري، وازدهرت أسواق الأسهم والسندات. وفي الوقت ذاته أعلنت الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء خسارتها لأكثر من 300 ألف وظيفة، معظمها إلي الأبد. وخارج الإطار البنفسجي للمدن المزدهرة، انتشر التفسخ والانحلال والفساد ليصيب عصب هذه الأمة ، ويطحن تحت أسنانه الطبقة الوسطي التي لطالما كانت على قدر كبير من الأمان والتأثير في كل مناحي الحياة في أمريكا.

كان البروفيسور كارول كويجلي، الذي درّس بيل كلينتون في جامعة جورج تاون، يعمل مستشاراً في البنتاغون. وكان كارول كويجلي يخبر طلابه، بمن فيهم كلينتون، أن الأحزاب السياسية هي مجرد تنظيمات جاهزة ومعدة للاستخدام وأن كلا من الحزبين الرئيسيين تسيطر عليها الأنشطة التجارية الكبري منذ عام 1900 . كما أنه أخبر طلابه وعلّمهم أن ما يسمي بالتعددية الحزبية أي أن يكون للحزبين أفكار وسياسات وقيم متضاربة… هو مجرد فكرة حمقاء . والأهم من ذلك كله أن كويجلي كان شديد الإعجاب بالمؤسسة القديمة للعلاقات الخارجية، وهي جزء من النخبة الأكبر للشركات والمؤسسات المالية الانكلو ـ أمريكية، وما يسمي بتركيبة القوي بين لندن ونيويورك والتي تضرب بجذورها الراسخة في الحياة الجامعية، والصحافة وممارسات السياسة الخارجية . وكان كويجلي ينظر إلي مجلس العلاقات الخارجية الوقور على أنه شبكة مؤامرات دولية مدبرة ومتفق عليها.

أما تركيبة القوي التآمرية هذه بين لندن ونيويورك، والتي نفذت إلي أعماق الحياة الجامعية ، والمؤسسات الأكاديمية ووسائل الإعلام والسياسات، فإن بالإمكان توضيحها من خلال شبكة رابطة الجامعات التي أصبحت محطة تصنيع النخبة وجداول أعمال تركيبة قوي الظل. كان الرؤساء الثلاثة الأخيرون للولايات المتحدة ، بوش الإب، كلينتون، وبوش الأبن، من نتاج جامعة ييل، أما معظم الرؤساء وأحدث الأعضاء في مجلس الامن القومي بعد الحرب فهم من أبناء هارفارد، ومن هؤلاء الرئيسان روزفلت، وكينيدي، أما كلية فنون الحكم بجامعة هارفارد فإنها إما خرجت أو ضمت تحت أروقتها كبار مستشاري مجلس الامن القومي، أمثال ماك جورج باندي، وهنري كيسنجر، زبيغنيو بريجينسكي، وأخيراً وليس آخراً صامويل هنتنغتون كان تأسيس إمبراطورية أو اتحاد دول ناطق بالانكليزية على رأس الاهتمامات والاولويات الثقافية لهذه الجامعة. واعتمدت تلك الإمبراطورية على شراكة ما بين عجلة القيادة الجديدة للبارونات، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الخبرة الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية السابقة وذلك لخدمة مصالح تركيبة قوي الظل بين لندن ونيويورك. بعد حصوله على منحة رودز الدراسية، انهي ويليام يانديل إيلوت، دراسته في كلية باليوت بجامعة إكسفورد وحصل على شهادة الدكتوراة عام 1923 وأصبح فيما بعد رمزاً بارزاً من رموز تركيبة القوي المشبوهة بين لندن ونيويورك. وكان أحد أوائل الكتب الكثيرة التي ألفها إليوت يحمل عنوان الإمبراطورية البريطانية الجديدة وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تقدم إليوت باقتراح بوجوب إنشاء كومنولث يتحدث بالانكليزية من أنقاض الحرب العالمية الثانية. وأصبح إليوت رئيساً لقسم الحكم في جامعة هارفارد حيث ساهم في إعداد وتطوير الجيل الجديد من السياسيين في حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي عام 1963، كتب كيسنجر أنه مدين بإنجازاته الفكرية والإنسانية لإليوت، وأنه لا يستطيع أن يرد له أفضاله عليه. وفي الفترة ما بين عامي 1950 ـ 1961، ترأس إليوت المدرسة الصيفية بجامعة هارفارد، ثم قام بتعيين كيسنجر رئيساً للمنتدي الدولي بهارفارد، والذي كان مسؤولاً عن تصنيع قادة ووزراء الخارجية المستقبليين حتي يصبحوا وكلاء لتأثير الولايات المتحدة.

رأسمالية الغرب – سرطان الروح

كتبت كارين آرمسترونغ ، قبل عشر سنوات من إعلان جورج دبليو بوش الحرب الصليبية الأخيرة ضد الإسلام، كما يعتقد كثير من المسلمين قائلة: يبدو الآن أن الحرب الباردة ضد الإسلام ستحل محل الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. ويربط المسلمون اليوم الإمبريالية الغربية والحملات التبشيرية المسيحية بالصليبيين، وهم ليسوا على خطأ فيما ذهبوا إليه. فعندما وصل الجنرال اللنبي إلي القدس عام 1917، أعلن أن الحملات الصليبية قد استكملت، وعندما وصل الفرنسيون إلي دمشق، سار قائدهم في موكب إلي ضريح صلاح الدين في المسجد الكبير وصرخ قائلاً بالفرنسية ما معناه بالعربية ( يا صلاح الدين ـ لقد عدنا).

يؤمن المسلمون إيماناً مطلقاً بأن الإسلام سيجدد نفسه وينجب صلاح الدين الجديد الذي سيحرر القدس حتي بعد 200 سنة من الآن. لقد كانت التجربة الأولي لمسلمي المشرق مع المسيحيين في الغرب خلال الحروب الصليبية. وقد دعا البابا إربان الثاني إلي الحرب الصليبية الأولي في عام 1095، وبحلول عام 1099 احتل الصليبيون القدس وذبحوا حوالي 30 ألف مسلم ويهودي في المدينة التي تحولت من مدينة مقدسة مزدهرة إلي بركة من الدماء نتنة الرائحة. وتمكن المسلمون المشتتون من إعادة توحيد صفوفهم إلي أن استعاد صلاح الدين المدينة وأرجعها تحت لواء الإسلام. ومكثت بقايا الصليبيين في المنطقة قرابة قرن من الزمان. لقد ظلت ذكري الهزيمة في الحروب الصليبية التي استمرت قرابة 200 عام محفورة في أذهان الغرب لتخلق حالة من رهاب الإسلام (الإسلام فوبيا Islamophbia) حتي يومنا هذا.

وخلال فترة أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، شهدت الساحة التاريخية ثلاث إمبراطوريات إسلامية رئيسية: الإمبراطورية العثمانية في الأناضول وسورية وشمال إفريقيا والجزيرة العربية، والإمبراطورية الصفوية في بلاد فارس، والحضارة المغولية في الهند. وقد اعتنقت معظم دول شرق آسيا (الملايو، أندونيسيا …إلخ) الإسلام على يد التجار المسلمين. وفي تلك الأثناء، كانت أوروبا بصدد تطوير حضارة جديدة أوجدت نظاماً قائماً على رأس المال على أنقاض النظام الزراعي. وربما كان رؤساء هذه الدول الإسلامية أتقياء ورعين، لكنهم سرعان ما تحولوا إلي الأوتوقراطية ولم ينهضوا بالمجتمعات التي يحكمونها لتواكب التطور التكنولوجي في الغرب ولا لتتمشي مع التعاليم الإسلامية كما جاءت في القرآن الكريم.

ومنذ القرن الثامن عشر وبعده، أصبحت الدول الإسلامية تتهاوي الواحدة تلو الأخري تحت مطارق الاستعمار الغربي الناشيء. إن انتشار التقنية في الغرب أدي إلي ظهور الثورة الصناعية. وانقضّ الغرب الصناعي مستعمراً الدول المسلمة بهدف ضمها إلي شبكة مصالحه التجارية، وسمحت الدول المستعمرة بإجراء تحديث سطحي في الدول المستعمَرة لتكفي فقط المستعمرين الغربيين وتمكنهم من استغلال المواد الخام في هذه المستعمرات.

وتم إيجاد نخبة مختارة في كل بلد مسلم تحت الاستعمار ودربت هذه النخبة لخدمة المستعمرين مقابل منافع خاصة بهم. وهكذا وجدت طبقة الواحد بالمئة في هذه المستعمرات وباتت مصالحها ومصالح المستعمر وقوانينه واحدة لا تتجزأ. وفي الوقت نفسه، كانت هذه المصالح، بطبيعة الحال، مختلفة عن مصالح الشعوب؛ فقد كانت المواد الخام تنتج في المستعمرات وتشحن إلي الدول الغربية حيث تصنع ويعاد شحنها من جديد إلي المستعمرات كمنتجات لتصريفها في أسواقها. أما في النظام الاستعماري الجديد، عندما أصبح النمط القديم من الاستعمار باهظ التكلفة، فقد اعتنق الغرب مبدأ الاستعمار غير المنظور؛ حيث منحت المستعمرات استقلالها وقام الغرب بتنصيب تلك النخبة التي قاموا بإعدادها وتعيين أفرادها قادة وحكاماً للبلدان المستقلة الجديدة. ومن خلال حرية تحرك رؤوس الأموال والسلع، استحوذ المستعمرون الجدد على القطاعات الصناعية والمالية والشركات الأخري في المستعمرات السابقة عن طريق الشركات متعددة الجنسيات التابعة لهم.

في بداية عهده، رأي الغرب في العلمانية، كما قال جون لوك، الطريقة الجديدة والأفضل ليكون المرء متديناً. ومع ذلك فقد لجأت بعض أنظمة الحكم العلمانية الإسلامية، المنتخبة أو المدعومة من قبل الغرب، إلي ربط العلمانية بالهجمات الشرسة والوحشية ضد الإسلام نفسه. فقد أغلق كمال أتاتورك المدارس الإسلامية التي تعلم الثقافة الإسلامية والقرآن، وذهب إلي أبعد من ذلك عندما فرض على الرجال والنساء أن يرتدوا الزي الأوروبي. وقبله قام محمد على في مصر بتجريد رجال الدين من مخصصاتهم المالية وسلبهم القدرة على التأثير. وعلى هذا النحو، حرم رضا شاه بهلوي في إيران المؤسسات الدينية من التبرعات والمخصصات واستبدل الشريعة بنظام مدني، على نحو ما فعل أتاتورك في تركيا العلمانية، وتم حظر اللباس الإسلامي، حيث كانت قواته تقوم باعتراض النساء في الشوارع ونزع لباس الحجاب عن وجوههن ورؤوسهن باستخدام الحراب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل به غيه إلي منع أداء فريضة الحج، وهو أحد أركان الإسلام. أما ابنه محمد رضا شاه فقد كان يكن للإسلام أقسي ضروب الحقد والعداء وبذل قصاري جهده ليعيد نشر الثقافة الفارسية كما كانت عليه قبل الإسلام، بما في ذلك استبدال التقويم الإسلامي بالتقويم الفارسي. وتعتبر العلمانية العدوانية للجنرال الباكستاني محمد أيوب خان مثالاً صريحاً آخر على النكهة المعادية للإسلام التي تمتاز بها العلمانية التي سادت في الدول الإسلامية. فقد قام محمد أيوب خالد بتأميم الاوقاف الإسلامية وفرض قيوداً صارمة في التعليم المدرسي واعتناق نظام علماني قانوني.

الاسلام العلماني اجندة رأسمالية

وأصبح الإسلام العلماني على شاكلة إسلام أتاتورك، هو الأجندة الرسمية الحالية المفضلة لـ الإسلام الامريكي الذي يروق للولايات المتحدة، فهي التي تقرر الآن أي المؤسسات تعتبر إرهابية، وذلك بشكل فرضي ودون أن تقدم أي تعريف لمصطلح الإرهاب أو أية أدلة مقنعة على إرهابية دولة ما. كما ستقوم الولايات المتحدة بوضع الآلية وفرضها على الدول المسلمة فيما يتعلق بتوزيع الزكاة وغيرها من الاموال المخصصة للأعمال الخيرية. ولم يكن هذا الشكل العلماني من الإسلام الذي قدمه أولئك العلمانيون إسلاماً قط، بل كان مشابهاً للإسلام الأميركي الذي يروج له على أنه الإسلام الجيد. لقد صرح وولفويتز الذي يتمتع بنفوذ كبير في وزارة الدفاع الأميركية في عهد بوش الصغير أن الإسلام العلماني الذي أسسه أتاتورك هو نفسه نموذج الإسلام الذي تريد الولايات المتحدة أن تراه مطبقاً في الدول الإسلامية. ويتساءل المسلمون بدورهم إن كان لهم الحق بأن يرشدوا وولفويتز إلي الطائفة اليهودية التي يريدون أن يعتنقها أو الممارسات التي يفضلون أن يمارسها هو.

إن المتطلبات الثقافية والدينية ونظم القيم للمجتمع الاسلامي تختلف عن نظيرتها تلك في المجتمع الغربي. وتؤكد كارين آرمسترونغ أنه عندما تستخدم آليات المعاصرة المزعومة والعلمانية نفسها في ثقافة مختلفة: فمن غير المرجح أن تكون حصيلتها متسقة مع ما يعتبره الغرب النموذج المطلوب. فلو لم تتوفر لدينا العناصر اللازمة لصنع كعكة – ولو استخدمنا الأرز بدلاً من الطحين، والبيض المجفف بدلاً من الطازج والبهارات بدلاً من السكر، فإن النتيجة ستكون ولا شك مختلفة عن تلك الكعكة الموصوفة في كتاب الطبخ. ولكن ما لا شك فيه هو أن نتاج تلك الخلطة سيروق لولفويتز والأرجح أن عصبته قد بدأت بالأكل منها الآن.

واستجابة للضغوطات والمغالاة التي تنطوي عليها الرأسمالية الداروينية في العقود الأخيرة المنصرمة، والتي وضعت حقوق الملكية على قمة أولوياتها بدلاً من حقوق الإنسان، وهي ضرب من البربرية ، عاد الناس من مختلف المذاهب إلي أديانهم ليلوذوا بما فيها من روحانية وراحة.

وتمضي آرمسترونغ في قولها: إن الإعلام الغربي يثير انطباعات بأن التشدد والتزمت الديني الذي يتسم بالعنف ويسمي (التعصب) هو ظاهرة إسلامية بحتة لكن الحقيقة هي أن التعصب ظاهرة عالمية طفت على السطح في كل الأديان الرئيسية… فهناك تعصب يهودي، وتعصب مسيحي، وتعصب هندوسي، وتعصب بوذي بل وتعصب كونفوشي . ولكن تعصب الأسواق هو أسوأ تلك الأنواع من التعصب، حيث أدي بشكل غير مباشر إلي نشوء كل ما سبق ذكره من صنوف التعصب. وكان أول أشكال التعصب قد ظهر في العالم المسيحي في الولايات المتحدة أوائل القرن العشرين وتستطرد آرمسترونغ: من بين ديانات التوحيد الثلاثة، كان الإسلام آخر الأديان التي ظهر فيها التيار المتعصب… أواخر الستينيات والسبعينيات. وفي ذلك الوقت، كان التعصب قد أخذ من المسيحيين واليهود كل مأخذ… .

بعد حرب الأيام الستة عام 1967، التي انتصرت فيها إسرائيل بمساعدة كبيرة من الولايات المتحدة واحتلت أراضي ثلاث دول عربية، وربما جزئياً بسبب الحرب، أدرك المسلمون أن أنظمة الحكم، في فترة ما بعد الاستعمار، والتي انشأها وثبتها الغرب قبل أن يغادرها شكلا لا مضمونا، قد فشلت فشلا ذريعا. لقد كانت تلك الأنظمة الحاكمة وجنرالاتها مستبدين بالشعوب أيما استبداد، ولكنهم كانوا أكثر جبنا من أن يشنوا حربا. كانوا أسدٌ على وفي الحروب نعامة . لقد رأوا أن الغرب بات ينشر العلمانية إلي جانب تخطيطه لقيام دولة يهودية، إسرائيل، مبنية على أساس ديني وعلى تفسيرات خاطئة لما وعد به أبناء ابراهيم في الإنجيل. ولو كان ذلك صحيحا، فإن الفلسطينيين هم أبناء ابراهيم حقا، بل إنهم علاوة على ذلك عاشوا في هذه الأرض وامتلكوها على الأقل خلال 1400 عام من الحكم الإسلامي وما قبل الحكم الاسلامي أيضا. وشهد المسلون كيف أن الغرب يمارس نفاقه عن طريق دعوته للديمقراطية بينما هو يقوم بخلق ومساندة أقسي وأعنف الأنظمة الديكتاتورية في العالم في بلدانهم! وشهدوا أيضاً لهاث أوروبا وراء سوق مشتركة أدت إلي وحدة باسم الاتحاد الأوروبي بين دول تتكلم بلغات مختلفة وتعتنق معتقدات مختلفة وتتفاوت في تاريخها وثقافاتها. وفي حين خاضت معظم تلك الدول الأوروبية أسوأ الحروب العالمية فإن وحدتها من جديد كانت أمراً رغب به الغرب فتم ذلك. لكن الغرب لا يسمح باتحاد أو توحد العالم العربي أو المسلمين، ولا حتي بالقيام بأبسط التسويات أو التعديلات بين حدود دول العالم العربي الصغيرة ودويلاته التي رسم الغرب خارطتها بعد الحرب العالمية الأولي. لقد شاهد المسلمون بأم أعينهم كيف تتفاوت الثروة في مجتمعاتهم أكثر فأكثر، وأن مصادرهم الطبيعية وعائداتها تنتقل إلي أيدي القلة المتنفذة من أبناء جلدتهم والتي تسلمها بدورها إلي القلة الغربية على هيئة ودائع يمكن أن تتعرض إلي التآكل أو التجميد أو، في أفضل الأحوال، إلي استثمارات تفضي إلي ثراء الآخرين بينما دولهم تصرخ بأعلى صوتها طلبا للاستثمارات والمشاريع.

من الغريب أن نعلم أن التعصب الديني وتعصب الأسواق قد ختم بختم صنع في أميركا ، فأول حرب بين الحضارات وفقاً لهنتنغتون كانت الحرب السوفييتية ـ الأفغانية ما بين عامي 1979ـ 1989 ويقول هنتنغتون: بالنسبة للأميركيين، كانت هزيمة السوفييت إثباتاً وتبريراً لعقيدة ريغان المتمثلة بتشجيع المقاومة المسلحة للأنظمة الشيوعية وإذلالاً مؤكداً للسوفييت مقارنة مع ما عاناه الأميركيون في فييتنام. لقد كانت أيضا هزيمة انتشرت عواقبها في المجتمع السوفييتي ومؤسساته السياسية وساهمت بشكل عظيم في تفكك وانهيار الإمبراطورية السوفييتية . لقد هزم السوفييت في نهاية المطاف بسبب ثلاثة عوامل. لم يستطيعوا أن يجاروا بشكل فعال أو على الأقل يتعادلوا مع تقنية الحرب الأميركية ولا أن يواجهوها. أما السبب الثاني فكان الأموال السعودية بينما تمثل السبب الثالث في الأعداد الضخمة من المسلمين وحماسهم للقتا.

المكارثية ومبشرو التعصب

في بداية الحرب الباردة، شنّت تركيبة قوي الظل من نيويورك ولندن حرباً على جبهتين ضد الشيوعية. أولي هاتين الجبهتين ما عرف باسم المكارثية، نسبة إلي السيناتور جوزيف مكارثي. لقد أذكيت شرارة العنف السياسي ليصل ذروته من خلال مزاعم لا أساس لها من الصحة حول وجود الحمر ، في إشارة إلي الشيوعيين، في كل الوزارات والدوائر الحكومية. وكما كشف ويليام سوليفان عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، فإن الـFBI هو الذي كان يغذّي مكارثي ويزوده بالمعلومات وهو الذي كان ينكر في العلن أية صلة له به. وقد عمل دونالد سورين، وهو المحقق الرئيس الأول لمكارثي، سابقاً في الـ FBI أما الذراع الثاني للحملة ضد الشيوعية فكان إنشاء التعصب المسيحي الذي داعب تلك المشاعر المناهضة للشيوعية في الولايات المتحدة. فقد سمع اثنان من تركيبة قوي الظل عن واعظ مغمور يلقي عظاته في لوس أنجليوس أمام عدد قليل من الجمهور. وهنا قرر كل من هنري لوس من مجلة لايف وويليام راندولف هيرست أن يتدخلا. لقد رأي هذان الرجلان أن ذلك الواعظ يلائم حاجتهما في التبشير بغرض مقاومة الليبرالية والشيوعية. وقام الرجلان بإجراء مقابلة مع ذلك الواعظ الذي هو بيلي غراهام ووعداه بمنحه كل دعمهم الإعلامي. وأوعز هيرست إلي مجموعته الإعلامية بان تنفخ غراهام إعلامياً، بينما قام لوس بنشر صورة غراهام على غلاف مجلة لايف وبين عشية وضحاها، أصبح غراهام بطلاً قومياً أميركيا، وبدأ يلقي محاضراته وعظاته على مئات الألوف من الجماهير. وما ساهم في ذلك هو أن الناس كانوا قد شبعوا ضغوطاً وقرروا أن يعودوا إلي دينهم لينعموا بالهدوء في روحانيته، بعد أن ملأ الملل صدورهم من الرأسمالية والمادية. وهكذا أخذ المدّ الديني يتعاظم أكثر فأكثر.

ولسوء الحظ فإن التعصب المسيحي، الذي سبق التعصب الإسلامي، قد اختطف على يد المبشرين على شاشات التلفزة والذين أصبحت أخلاقياتهم ضرباً من ضروب المعرفة العامة. وقد توالت الفضائح الجنسية والمالية الواحدة تلو الأخري لتزيد من خيبة أمل أتباعهم. ومع ذلك، فإن حركتهم استمرت ونمت بفضل قوة الإعلام ومئات محطات الإذاعة والتلفزة التي يملكونها علاوة على الميزانيات السنوية التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات. كان المبشرون يلقون مواعظهم من العهد الجديد الذي يتحدث عن المسيح في بداية الأمر، ولكنهم أصبحوا فيما بعد الدعاة الحقيقيين للرأسمالية العالمية، داعين إلي حروبها بحيث أصبحوا يشغلون منصب البوليس الديني للنظام. ومؤخراً، باتوا يقدمون مواعظهم ويقتبسونها من إنجيل الصهيونية وليكودها المتطرف جدا لينادوا بالحرب ضد الإسلام. لقد شكل هؤلاء المتعصبون من المسيحيين الصهاينة الذين يصل تعدادهم إلي 70 مليون شخص. وشكل هؤلاء تحالفاً مع المتعصبين اليهود المتطرفين ليكونوا حركة متعصبة مسيحية يهودية اتخذت مواقف ضد الإسلام غاية في التطرف. وأصبحوا قوة هائلة في الحزب الجمهوري وصياغة سياساته، حتي أن هيرب زوايبون، رئيس منظمة أميركيون لإسرائيل آمنة ، حذر جورج بوش في البيت الأبيض أنه في حال تبديل 10بالمئة فقط من أولئك الـ 70 مليون مسيحي صهيوني لمواقفهم، فإنهم سيقلبون موازين الامور ويدمرون رئاسة بوش ما لم يساند شارون في حربه الضروس ضد الفلسطينيين. لقد كان المسيح يدعو إلي المحبة وهؤلاء يدعون إلي البغضاء.

استهداف الاسلام

بدأ أصحاب تشكيلة القوي في الغرب يستهدفون الإسلام، كطريقة بديلة للحياة، وعلى نحو صريح ومكشوف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي، وقبل أن تظهر على المسرح حكاية أسامة بن لادن. وقد صرح السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1995 أن الإسلام السياسي كان خطراً بمقدار خطورة الشيوعية على الغرب على الأقل. وطبقاً لما ذكره هنتنغتون، فإن واحداً من أكبر مسؤولي إدارة كلينتون أشار إلي الإسلام على أنه المنافس العالمي للغرب. فقد كتب صامويل هنتنغتون تورطت الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس عشرة بين عامي 1980 و 1995، طبقاً لتقارير من وزارة الدفاع الأميركية، في سبع عشرة عملية عسكرية في الشرق الأوسط كانت كلها موجهة ضد المسلمين مباشرة، ولم تحدث أية عمليات من هذا القبيل إطلاقاً من قبل القوات العسكرية الأمريكية ضد أي شعب أو حضارة أخري . وخلص هنتنغتون إلي القول إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست في التطرف الإسلامي، بل في الإسلام كطريقة مختلفة للحياة اقتنع المسلمون بسموها وتفوقها على غيرها.

لقد خطـّأَ هنتنغتون الرئيس كلينتون في قوله أن ليس للغرب مشاكل مع الإسلام وأنّها فقط مع دعاة العنف الإسلامي من المتطرفين. ويري هنتنغتون أن الصراع كان من ناحية نتاج اختلاف، وعلى وجه الخصوص رؤية المسلمين لهذا الدين على أنه وسيلة للسمو والارتقاء وتوحّد الدين مع السياسة. وأضاف: يكره المسلمون ويخشون القوة والنفوذ الغربيين والتهديد الذي يمثلانه لمجتمعهم ومعتقداتهم. وينظرون إلي الحضارة الغربية باعتبارها مادية فاسدة منحطة وغير أخلاقية. كما يعتبرونها محرضة وتشجع على الانحراف، ولذلك فهم يؤكدون على الحاجة إلي مقاومة أثرها على حياتهم. ويتزايد هجوم المسلمين على الغرب لا لاعتناقهم ديانة غير كاملة، والتي ستبقي ديانة سماوية ، ولكن لعدم اعتناقهم أو ارتباطهم بأية ديانة على الإطلاق.

يشهد العالم الإسلامي اليوم صحوة واسعة تتمثل في حركة فكرية ثقافية اجتماعية وسياسية تسود جميع أرجائه. وقد لاحظ جون إيزبوزيتو أن هذه النهضة الاسلامية تشمل الاهتمام المتزايد بالتعاليم الدينية، من ارتياد المساجد ودور العبادة، إلي تأدية الصلاة والصيام، والتشديد على القيم الإسلامية وارتداء الزي المحتشم، وزيادة المؤسسات الإسلامية، والبنوك وجمعيات الخدمات الاجتماعية، والمؤسسات التعليمية. وقد اتجهت كل من الحكومات وحركات المعارضة نحو الإسلام لاستمداد العون وتعزيز نفوذها واستدرار العطف الشعبي .

ويري هنتنغتون مظاهر تشابه بين الصحوة الإسلاميّة والاصلاحات البروتستانتية في اشتراكهما في الدعوة للإصلاحات المتطرفة في كافة مناحي الحياة والمؤسسات. وينسب هنتنغتون إلي حسن الترابي قوله إن هذه الصحوة شاملة – إنها ليست مسألة طاعة فردية فقط وليس فكرية أو حضارية فحسب، وليست سياسية فحسب، بل إنها كل هذه المظاهر معاً، إنها بناء شامل لمجتمع متكامل من القمة إلي القاع . إن الاختلاف الرئيس بين الصحوة الاسلاميّة والإصلاحات البروتستانتية هو أن الاصلاحات كانت مقتصرة بشكل كبير على دول شمال أوروبا، أما الصحوة الإسلاميّة فقد امتد أثرها إلي كل مجتمع اسلامي في العالم، من أندويسيا إلي المغرب، ومن نيجيريا إلي قازاخستان. وتبدأ عملية الأسلمة أولا في المجال الثقافي ثم تمتد بعد ذلك إلي المؤسسات السياسية والاجتماعية.

إن الغاية الأولي والأخيرة للرأسمالية هي النمو المادي وتجميع الثروات بصرف النظر عن الكيفية وعن آلية التوزيع. أما في الإسلام، فإن الغاية من الحياة والرؤيـة الاقتصادية مختلفتان تمام الاختلاف. لقد أوضحت منظمـة التعاون الاقتصادي والتنمية في دراستها حول الإسلام والرأسمالية والاشتراكية، الرؤية الاسلامية للاقتصاد. وقد أوردت هذه الدراسة: تختلف المفاهيم الاسلامية عن الرأسمالية في أنها تعارض كنز الثروات، وعن الاشتراكية من حيث أنها لا تنكر حقوق الملكية، بما فيها ملكية وسائل الإنتاج. فالمجتمع الاسلامي الصحيح ليس بأي حال من الأحوال حلبة تتصارع فيها المصالح المختلفة وتتناحر، بل إنه مكان تسوده العلاقات المنسجمة التي يمكن تحقيقها والوصول إليها من خلال الإحساس بالمسؤوليات المشتركة. ولا بد لحقوق الأفراد أن تكون متوازنة مع مصالح المجتمع بأكمله على نحو متساوٍ.

وقد خلص الكثيرون إلي أن الرأسمالية التي ترتكز على ثقافة الرغبة قد فشلت في الوفاء بوعودها، وبدلاً من ذلك فهي لم تجلب لمعتنقيها سوي التعاسة. وكتب لي آتووتر، وهو أحد الرموز البارزة في إدارة الرئيس ريغان، في عدد فبراير 1991 من مجلة لايف: … لقد ساعدني مرضي على أن أدرك أن ما كان مفقوداً في المجتمع كان مفقوداً في داخلي أنا أيضاً: قليل من الحب والمودة وقليل من الأخوة. كانت الثمانينيات عقد الاكتساب- اكتساب الثروة والقوة والهيبة، وأعلم أنني اكتسبت من هذه كلها أكثر مما اكتسبه غيري بكثير. ولكن بإمكان المرء أن يكتسب من الثروة والسلطة والهيبة قدر ما يريد، ولكنه سيظل فارغاً خاوياً من الداخل… لقد تكلفني الأمر هذا المرض العضال القاتل حتي أصل إلي الحقيقة وجهاً لوجه، حقيقة أن هذا البلد، الذي يرزح تحت الطموحات التي لا ترحم والانحلال الأخلاقي، يمكنه أن يتعلم على حساب تجربتي. لا أعلم من سيقودنا في عقد التسعينيات، ولكن ينبغي عليه أن يتحدث صراحة عن هذا الخواء الروحي في قلب المجتمع الأميركي، إنه ورم خبيث ينتشر في أرواحنا لقد اتفق الكثيرون في أميركا مع هذا التحليل: أن هناك ورماً خبيثاً يسري في أعماق الرأسمالية وماديتها ويتغلغل في روحها.

يري ديفيد كورتن، البروفيسور السابق في جامعة هارفارد، أن كلاً من الرأسمالية والشيوعية قد أثبت فشله: من السخرية أنه كلما اقترب بنا مؤيدو تسلط الشركات أكثر إلي نموذجهم الأيديولوجي لرأسمالية السوق المفتوح، اتسعت الهوة أكثر وثبت فشلهم بشكل أعظم. وقد فشلت الأنظمة الماركسية للسبب ذاته: كانت نتيجة كل منهما تركز القوي الاقتصادية في مؤسسات مركزية لا يمكن السيطرة عليها وهي الدولة في حالة الماركسية، والشركات متعددة الجنسيات في حالة الرأسمالية… كلتا النظريتين كان لها المنظور الاقتصادي الضيق ذاته للاحتياجات الإنسانية، وهو ما يبلي جوهر العلاقات والروابط الروحانية ويهدم أساسها… .

ولو قلنا إن أولئك العاملين في قلب الرأسمالية ومركزها والذين يحولون مصادر العالم وثرواته لتصب في جيوبهم ليسوا سعداء ضمن هذا النظام الرأسمالي، فما من شك في أن أولئك الذين عانوا أيضاً من استغلالية هذا النظام في دول الأطراف ليسوا سعداء أيضاً، إن لم نقل أكثر تعاسة. لقد بدأ الطرفان، أباطرة الرأسمالية والشعوب في دول الأطراف، بالبحث عن الحل.

يخبرنا التاريخ أن الإنسان منذ بدء الخليقة كان محتاجاً إلي روابط روحية وكان له إلهه الذي يعبده. لقد عاد الناس في كل دول العالم إلي أديانهم وكتبهم المقدسة. وحتي أولئك الذين لم يجدوا إجابات في كتبهم استمروا في البحث عنها في أديان أخري. وظهر العديد من المنظمات الرئيسية الدينية، إلي جانب التنظيمات المتطرفة التي تسمي في أميركا بالجماعات المتعصبة، في كل الديانات مثل المسيحية والإسلام واليهودية وحتي في ديانات أخري مثل الهندوسية. وكلما أصبح تعصب الأسواق أكثر وحشية ازدادت التوترات وارتفعت وتيرة كل أشكال التعصب الأخري.

أدت خيبة الأمل من مادية الرأسمالية الغربية والعلمانية، إلي تعاظم الحركة الدينية في النصف الثاني من القرن العشرين. ولو كانت وفرة البضائع والمنتجات هي المقياس لأحد النظم، فإن الرأسمالية ستكون النظام الذي لا مثيل له، مع أن تلك الوفرة لا توزع بالتساوي والعدل بين الأمم وبين أفراد الشعب الواحد. وتتحكم الآن طبقة قوامها واحد بالمئة في كل دولة بمعظم تلك الوفرة والثراء. أما لو كانت السعادة والحياة من أجل هدف معين هي ما تريده الشعوب من النظام، فإن الثقافة الغربية والرأسمالية قد فشلتا فشلاً ذريعاً في تحقيق أي منهما. فقد حاولت الرأسمالية من خلال الاستهلاكية أن تخلط بين الحياة الرغدة وبين البضائع، ولكن كلما كانت تتمادي في هذا الخلط كان الناس يبتعدون أكثر عن الرأسمالية حتي أدركوا في نهاية المطاف أن الملاذ الأخير لهم سيكون في روحانية أديانهم.

إن التناقض في الرأسمالية يتمثل في أنها منتج ثانوي للمفهوم والرؤية العلمية التي ألقت بالدين والقيم الروحية وراء ظهرها ولم تبنِ آيديولوجياتها أو عملياتها عليها. ومع ذلك، فهي تتمحور حول المال حتي أصبح ديناً لها، رغم أن المال في نهاية الأمر ليس سوي وهم جماعي بأن أوراق النقد أو نبضة إلكترونية، كما في النقود الإلكترونية، هي حقيقية فعلا وحيّة. وقد بدأ هذا الوهم مع تقبل فكرة أن النقود هي بضاعة أو سلعة أيضا، ثم ارتبطت بالمعادن البراقة، كالذهب والفضة، ثم صار يقايض المعدن بالعملة الورقية، إلى أن صار ورقا مقابل ورق وبطاقات بلاستيكية، ونبضات إلكترونية.

لقد نسجت العديد من الأساطير والخرافات وتعاظم الوهم حول المال حتي أصبح حيواناً حياً ينمو ويكبر مع مرور الوقت حتي بعد وفاة أصحابه. وبالنسبة للكثيرين، أصبح المال نفساً ثانيةً تقدم الأمن والطمأنينة للنفس الأولي، وكلما فقد الإنسان صلاته بربه، ازدادت ثقته وإيمانه بالمال بدلاً من الله. ولكن المال أعطاهم بدلاً عن ذلك قلقاً وخوفاً وعدم استقرار، بمن فيهم الأثرياء والمشاهير. فكما قال أحد مشاهير المدراء التنفيذيين الاميركيين ذات مرة، فإنه يعيش بين أحزان الأمس وقلق الغد. أما في الإسلام، فإن من يحكم مصالح المجتمع بأسره هو الصالح العام وليس وول ستريت، أي أن المصلحة العامة هي الغاية من الحكم دون أي إجحاف لحقوق الأفراد الشرعية. وهذا ما تفتقده الولايات المتحدة التي يمتلك 0.5% من سكانها أكثر مما يملكه 90% من الشعب الأميركي من الثروات، في وقت يعتبر 35 مليوناً من الأميركيين فقراء حسب تصنيف الحكومة، وهذا ما يجعل نظامها الاقتصادي متناقضاً مع المبادئ الاسلامية.

في حقيقة الأمر أن ذلك النظام السائد في أميركا يتحدي أسس وقواعد العدل الذي هو جوهر كل الديانات. إن هذه النظرة الاقتصادية التي يتقاسـمها 1.2 مليار مسلم هي السبب الحقيقي الذي يدفع بارونات الرأسمالية اللصوص إلي اعتبار الإسلام خطراً يتهددهم أكثر مما كانت تفعله الشيوعية. إن الإسلام عائق أمام الخطة الاستعمارية الكبري التي تسعي إلي نظام عالمي جديد يمارس كل فرد فيه حياته وفقاً لقواعد وشروط وول ستريت. إن ثقافة السوق الموجهة التي تحفّزها وتسيّرها الرغبات والأهواء والتي روّجتها ونشرتها الرأسماية الأنجلوـ أميركية، لا سيّما بعد الثورة الصناعية، قد فشلت إلي أبعد الحدود في الوفاء بعهودها التي تمثلت بتحقيق السعادة من خلال عمليات الاكتساب. وكما كتب لي آتووتر Lee Atwater، فإن على قادة أمريكا: أن يتحـدثوا صراحـة عن هذا الفراغ الروحي الذي يملأ قلب المجتمع الأميركي، إنه ورم خبيث يسري في أرواحنا.

أدرك الغرب أن الوضع بات خطيراً منذ منتصف التسعينيات بسبب وصول الحكومات الإسلامية وتوليها مقاليد السلطة في إيران والسودان. وكانت حكومات معظم الدول الإسلامية غير ديموقراطية إلي أبعد الحدود. ولكن ما يتجاهله هنتنغتون ولا يذكره هو أن معظم هذه الحكومات وصلت إلي السلطة على يد الغرب بعد عمليات إزالة الإستعمار، أو أنهم قد تلقوا العون الظاهر أو الخفي من الغرب وأن معظم هذه الحكومات ستموت وتفني إذا انقطع عنها هذا الدعم. وعندما تعرضت إحدي تلك الحكومات، إلي الخطر في الجزائر بسبب نتائج الإنتخابات، تدخلت الحكومة العلمانية، تماماً كما دخل الجيش في تركيا الديموقراطية لإجبار رئيس الوزاء الإسلامي أربكان على الخروج من السلطة . تقول كارين آرمسترونغ موضحة: عام 1990، حققت جبهة الإنقاذ الإسلامية ISF انتصارات هائلة في الإنتخابات المحلية وخاصة في المناطق الريفية. وكان معظم ناشطي جبهة الإنقاذ من الشباب المثقفين والمتعلمين المثاليين، كما عرفوا بإخلاصهم ووفائهم إلي جانب كفاءة أدائهم في الحكومة… ولكن جبهة الإنقاذ لم تكن مناهضة للغرب. فقد تحدث قادتها عن تشجيع الروابط مع الإتحاد الأوروبي والبحث عن اسثمارات جديدة غربية. أما الحكومة العلمانية في الجزائر، والتي أشرفت على الإنتخابات، فقد تم الانقلاب عليها، وقام العساكر العلمانيون بإلغاء كل الإصلاحات وألقت بكل قيادة جبهة الانقاذ وأعضائها المنتخبين في السجن. ولو منعت الإنتخابات بهذه الطريقة العنيفة وغير الدستورية في إيران وباكستان، لقامت الدنيا في الغرب ولم تقعد… ولكن بما أن الحركة التي تم تصفيتها كانت حركة إسلامية فقد امتلأت الصحافة الغربية بالتهليل والتبجيل.

 

 

المصدر: مؤسسة الحوار الأنساني 21/1/2006

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 51 other followers

%d bloggers like this: